تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
قوله عزّ وجل :
وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ . . . .
المعنى : قال يوسف ليعقوب : هذا السجود الذي كان منكم ، هو ما آلت إليه رؤياي قديما في الأحد عشر كوكبا وفي الشمس والقمر . وقوله :
قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
ابتداء تعديد نعم اللّه تعالى عليه ، وقوله :
قَدْ أَحْسَنَ بِي
، أي أوقع وناط إحسانه بي . فهذا منحى في وصول الإحسان بالباء ، وقد يقال : أحسن إليّ ، وأحسن فيّ ، ومنه قول عبد اللّه بن أبي ابن سلول : يا محمد أحسن في مواليّ ؛ وهذه المناحي مختلفة المعنى ، وأليقها بيوسف قوله :
بِي
لأنه إحسان درج فيه دون أن يقصد هو الغاية التي صار إليها . وذكر يوسف عليه السلام إخراجه من السجن ، وترك إخراجه من الجب لوجهين : أحدهما : أن في ذكر إخراجه من الجب تجديد فعل إخوته وخزيهم بذلك وتقليع نفوسهم وتحريك تلك الغوائل وتخبيث النفوس . والوجه الآخر : أنه خرج من الجب إلى الرق ، ومن السجن إلى الملك فالنعمة هنا أوضح . وقوله :
وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ
يعم جمع الشمل والتنقل من الشقاوة إلى النعمة بسكنى الحاضرة ، وكان منزل يعقوب عليه السلام بأطراف الشام في بادية فلسطين وكان رب إبل وغنم وبادية . و
نَزَغَ
معناه : فعل فعلا أفسد به ، ومنه قول النبي عليه السلام : « لا يشر أحدكم على أخيه بالسلاح لا ينزغ الشيطان في يده » . وإنما ذكر يوسف هذا القدر من أمر إخوته ليبين حسن موقع النعم ، لأن النعمة إذا جاءت إثر شدة وبلاء فهي أحسن موقعا . وقوله :
لِما يَشاءُ
أي من الأمور أن يفعله ، واختلف الناس في كم كان بين رؤيا يوسف وبين ظهورها : فقالت فرقة أربعون سنة - هذا قول سلمان الفارسي وعبد اللّه بن شداد ، وقال عبد اللّه بن شداد : ذلك آخر ما تبطئ الرؤيا - وقالت فرقة - منهم الحسن وجسر بن فرقد وفضيل بن عياض - ثمانون سنة . وقال ابن إسحاق : ثمانية عشر ، وقيل : اثنان وعشرون - قاله النقاش - وقيل : ثلاثون ، وقيل : خمس وثلاثون - قاله قتادة - وقال السدي وابن جبير : ستة وثلاثون سنة . وقيل : إن يوسف عليه السلام عمر مائة وعشرين سنة . وقيل : إن يعقوب بقي عند يوسف نيفا على عشرين سنة ثم توفي صلى اللّه عليه وسلم . قال القاضي أبو محمد : ولا وجه في ترك تعريف يوسف أباه بحاله منذ خرج من السجن إلى العز إلا