قال القاضي أبو محمد : وهذا قريب من الأول .
وروي : أنه كان بينهما مسيرة ثلاثين يوما ، قاله الحسن بن أبي الحسن ، وروي عن أبي أيوب الهوزني : أن الريح استأذنت في أن توصل عرف يوسف إلى يعقوب ، فأذن لها في ذلك . وكانت مخاطبة يعقوب هذه لحاضريه ، فروي : أنهم كانوا حفدته ، وقيل : كانوا بعض بنيه ، وقيل : كانوا قرابته .
و
تُفَنِّدُونِ
معناه : تردون رأيي وتدفعون في صدري ، وهذا هو التفنيد في اللغة ، ومن ذلك قول الشاعر : [ البسيط ]
يا عاذليّ دعا لومي وتفنيدي * فليس ما فات من أمري بمردود
ويقال : أفند الدهر فلانا : إذا أفسده .
قال ابن مقبل : [ الطويل ]
دع الدهر يفعل ما أراد فإنه * إذا كلف الإفناد بالناس أفندا
ومما يعطي أن الفند الفساد في الجملة قول النابغة : [ البسيط ]
إلا سليمان إذ قال الإله له * قم في البرية فأحددها عن الفند
وقال منذر بن سعيد : يقال : شيخ مفند : أي قد فسد رأيه ، ولا يقال : عجوز .
قال القاضي أبو محمد : والتفنيد يقع إما لجهل المفند ، وإما لهوى غلبه ، وإما لكذبه ، وإما لضعفه وعجزه لذهاب عقله وهرمه ، فلهذا فسّر الناس التفنيد في هذه الآية بهذه المعاني ومنه قوله عليه السلام أو هرما مفندا . قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : معناه تسفهون ، وقال ابن عباس - أيضا - تجهلون ، وقال ابن جبير وعطاء : معناه : تكذبون ، وقال ابن إسحاق : معناه : تضعفون ، وقال ابن زيد ومجاهد : معناه : تقولون :
ذهب عقلك ، وقال الحسن : معناه : تهرمون .
والذي يشبه أن تفنيدهم ليعقوب إنما كان لأنهم كانوا يعتقدون أن هواه قد غلبه في جانب يوسف .
قال الطبري : أصل التفنيد الإفساد .
وقولهم :
لَفِي ضَلالِكَ
يريدون في انتكافك وتحيرك ، وليس هو بالضلال الذي هو في العرف ضد الرشاد ، لأن ذلك من الجفاء الذي لا يسوغ لهم مواجهته به ، وقد تأول بعض الناس على ذلك ، ولهذا قال قتادة رحمه اللّه : قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي اللّه عليه السلام ، وقال ابن عباس : المعنى : لفي خطئك .
قال القاضي أبو محمد : وكان حزن يعقوب قد تجدد بقصة بنيامين ، فلذلك يقال له : ذو الحزنين .
قوله عزّ وجل :