تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 229

مساهمون:

ص٢٢٩
وأنشد أبو الفتح وغيره في ذلك :
يطوّف بي كعب في معد * ويطعن بالصملة في قفيا
فإن لم تثأروا لي في معد * فما أرويتما أبدا صديا
وقرأ حمزة والكسائي « يا بشري » ويميلان ولا يضيفان . وقرأ عاصم كذلك إلا أنه يفتح الراء ولا يميل ، واختلف في تأويل هذه القراءة فقال السدي : كان في أصحاب هذا « الوارد » رجل اسمه بشرى ، فناداه وأعلمه بالغلام ، وقيل : هو على نداء البشرى - كما قدمنا - والضمير في قوله :
وَأَسَرُّوهُ
ظاهر الآيات أنه ل « وارد » الماء ، - قاله مجاهد ، وقال : إنهم خشوا من تجار الرفقة إن قالوا : وجدناه أن يشاركوهم في الغلام الموجود . قال القاضي أبو محمد : هذا إن كانوا فسقة أو يمنعوهم من تملكه إن كانوا خيارا ، فأسروا بينهم أن يقولوا : أبضعه معنا بعض أهل المصر . و
بِضاعَةً
حال ، و « البضاعة » : القطعة من المال يتجر فيها بغير نصيب من الربح ، مأخوذة من قولهم : بضعت أي قطعت . وقيل : إنهم أسروا في أنفسهم يتخذونه بضاعة لأنفسهم أي متجرا ، ولم يخافوا من أهل الرفقة شيئا ؛ ثم يكون الضمير في قوله :
وَشَرَوْهُ
لهم أيضا ، أي باعوه بثمن قليل ، إذ لم يعرفوا حقه ولا قدره ، بل كانوا زاهدين فيه ، وروي - على هذا - أنهم باعوه من تاجر . وقال مجاهد : الضمير في
أَسَرُّوهُ
لأصحاب « الدلو » ، وفي
شَرَوْهُ
لإخوة يوسف الأحد عشر ، وقال ابن عباس : بل الضمير في
أَسَرُّوهُ
و
شَرَوْهُ
لإخوة يوسف . قال القاضي أبو محمد : وذلك أنه روي أن إخوته لما رجعوا إلى أبيهم وأعلموه رجع بعضهم إلى الجب ليتحققوا أمر يوسف ، ويقفوا على الحقيقة من فقده فلما علموا أن الوراد قد أخذوه جاءوهم فقالوا : هذا عبد أبق لأمنا ووهبته لنا ونحن نبيعه منكم ، فقارهم يوسف على هذه المقالة خوفا منهم ، ولينفذ اللّه أمره ؛ فحينئذ أسره إخوته إذ جحدوا إخوته فأسروها ، واتخذوه
بِضاعَةً
أي متجرا لهم ومكسبا
وَشَرَوْهُ
أيضا
بِثَمَنٍ بَخْسٍ
، أي باعوه . وقوله
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ
إن كانت الضمائر لإخوة يوسف ففي ذلك توعد ، وإن كانت الضمائر للواردين ففي ذلك تنبيه على إرادة اللّه تعالى ليوسف ، وسوق الأقدار بناء حاله ، فهو - حينئذ - بمعنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : يدبر ابن آدم والقضاء يضحك . وفي الآية - أيضا - تسلية للنبي عليه السّلام عما يجري عليه من جهة قريش ، أي العاقبة التي للمتقين هي المراعاة والمنتظرة . و
شَرَوْهُ
- هنا - بمعنى باعوه ، وقد يقال : شرى ، بمعنى اشترى ، ومن الأول قول يزيد بن مفرغ الحميري : [ مجزوء الكامل ]
وشريت بردا ليتني * من بعد برد كنت هامه