ينكر أن يعتقد الأنبياء عليهم السّلام صدق الكاذب وكذب الصادق ما لم يوح إليهم ، فإنما هو بشر ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه . . » الحديث . فهذا يقتضي أنه جوز على نفسه أن يصدق الكاذب . وكذلك قد صدق عليه السّلام عبد اللّه بن أبيّ حين حلف على مقالة زيد بن أرقم وكذب زيدا ، حتى نزل الوحي ، فظهر الحق ، فكلام اخوة يوسف إنما هو مغالطة ومحاجة لا إلزام عناد .
وقوله تعالى :
وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ
الآية ، روي أنهم أخذوا سخلة أو جديا فذبحوه ولطخوا به قميص يوسف ، وقالوا ليعقوب : هذا قميصه ، فأخذه ولطخ به وجهه وبكى ، ثم تأمله فلم ير خرقا ولا أثر ناب . فاستدل بذلك على كذبهم ، وقال لهم : متى كان الذئب حليما ، يأكل يوسف ولا يخرق قميصه ؟ - قص هذا القصص ابن عباس وغيره ، وأجمعوا على أنه استدل على كذبهم لصحة القميص - واستند الفقهاء إلى هذا في إعمال الأمارات في مسائل كالقسامة بها - في قول مالك - إلى غير ذلك .
قال الشافعي : كان في القميص ثلاث آيات : دلالته على كذبهم وشهادته في قده ، ورد بصر يعقوب به . وروي أنهم ذهبوا فأخذوا ذئبا فلطخوا فاه بالدم وساقوه وقالوا ليعقوب ، هذا أكل يوسف ، فدعاه يعقوب فأقعى وتكلم بتكذيبهم .
ووصف الدم ب
كَذِبٍ
إما على معنى بدم ذي كذب ، وإما أن يكون بمعنى مكذوب عليه ، كما قد جاء المعقول بدل العقل في قول الشاعر : [ الكامل ]
حتى إذا لم يتركوا لعظامه * لحما ولا لفؤاده معقولا
فكذلك يجيء التكذيب مكان المكذوب .
قال القاضي أبو محمد : هذا كلام الطبري ، ولا شاهد له فيه عندي ، لأن نفي المعقول يقتضي نفي العقل ، ولا يحتاج إلى بدل ، وإنما « الدم الكذب » عندي وصف بالمصدر على جهة المبالغة .
وقرأ الحسن : « بدم كذب » بدال غير معجمة ، ومعناه الطري ونحوه ، وليست هذه القراءة قوية .
ثم قال لهم يعقوب لما بان كذبهم :
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
أي رضيت وجعلت سولا ومرادا .
أَمْراً
أي صنعا قبيحا بيوسف . وقوله :
فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
رفع إما على حذف الابتداء وإما على حذف الخبر : إما على تقدير : فشأني صبر جميل ، وإما على تقدير فصبر جميل أمثل . وذكر أن الأشهب وعيسى بن عمر قرأ بالنصب : « فصبرا جميلا » على إضمار فعل ، وكذلك هي في مصحف أبيّ ومصحف أنس بن مالك - وهي قراءة ضعيفة عند سيبويه ولا يصلح النصب في مثل هذا إلا مع الأمر ، ولذا يحسن النصب في قول الشاعر [ الرجز ] . . . صبرا جميلا فكلانا مبتلى وينشد أيضا بالرفع ويروى « صبر جميل » ، على نداء الجمل المذكور في قوله : [ الرجز ]