شكى إليّ جملي طول السرى * يا جملي ليس إليّ المشتكى
صبر جميل فكلانا مبتلى وإنما تصح قراءة النصب على أن تقدر يعقوب عليه السّلام رجع إلى مخاطبة نفسه أثناء مخاطبة بنيه .
وجميل الصبر ألا تقع شكوى إلى بشر ، وقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : من بث لم يصبر صبرا جميلا .
وقوله :
وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ
تسليم لأمر اللّه تعالى وتوكل عليه ، والتقدير على احتمال ما تصفون .
قوله عزّ وجل :
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 19 إلى 20 ]
وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ( 19 ) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ( 20 )
قيل إن « السيارة » جاءت في اليوم الثاني من طرحه في الجب ،
سَيَّارَةٌ
: جمع سيار ، كما قالوا بغال وبغالة ، وهذا بعكس تمرة وتمر ، و
سَيَّارَةٌ
: بناء مبالغة للذين يرددون السير في الطرق . وروي أن هذه « السيارة » كانوا قوما من أهل مدين ، وقيل : قوم أعراب . و « الوارد » هو الذي يأتي الماء ليسقي منه لجماعة ، ويروى أن مدلي الدلو كان يسمى مالك بن ذعر ، ويروى أن هذا الجب كان بالأردن على ثلاثة فراسخ من منزل يعقوب ، ويقال : « أدلى الدلو » : إذا ألقاه في البئر ليستقي الماء . ودلاه يدلوه : إذا استقاه من البئر . وفي الكلام هنا حذف تقديره : فتعلق يوسف بالحبل فلما بصر به المدلي قال : يا بشراي ، وروي أن يوسف كان يومئذ ابن سبع سنين ، ويرجح هذا لفظة
غُلامٌ
، فإنه ما بين الحولين إلى البلوغ ، فإن قيلت فيما فوق ذلك فعلى استصحاب حال وتجوز ؛ وقيل : كان ابن سبع عشرة سنة - وهذا بعيد - .
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر « يا بشراي » بإضافة البشرى إلى المتكلم وبفتح الياء على ندائها كأنه يقول : احضري ، فهذا وقتك ، وهذا نحو قوله :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
[ يس : 30 ] وروى ورش عن نافع « يا بشراي » بسكون الياء ، قال أبو علي : وفيها جمع بين ساكنين على حد دابة وشابة ، ووجه ذلك أنه يجوز أن تختص بها الألف لزيادة المد الذي فيها على المد الذي في أختيها ، كما اختصت في القوافي بالتأسيس ، واختصت في تخفيف الهمزة نحو هبأة وليس شيء من ذلك في الياء والواو .
وقرأ أبو الطفيل والجحدري وابن أبي إسحاق والحسن « يا بشريّ » تقلب الألف ياء ثم تدغم في ياء الإضافة ، وهي لغة فاشية ، ومن ذلك قول أبي ذؤيب : [ الكامل ]
سبقوا هويّ وأعنقوا لهواهم * فتخرموا ولكل جنب مصرع