تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 214

مساهمون:

ص٢١٤
قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 116 إلى 117 ]

فَلَوْ لا كانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ ( 116 ) وَما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرى بِظُلْمٍ وَأَهْلُها مُصْلِحُونَ ( 117 ) لولا هي التي للتحضيض - لكن يقترن بها هنا معنى التفجع والتأسف الذي ينبغي أن يقع من البشر على هذه الأمم التي لم تهتد ، وهذا نحو قوله :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ
[ يس : 30 ] ، و
الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ
هم قوم نوح وعاد وثمود ومن تقدم ذكره ، والقرن من الناس : المقترنون في زمان طويل أكثره - فيما حد الناس - مائة سنة ، وقيل ثمانون وقيل غير ذلك إلى ثلاثين سنة ؛ والأول أرجح لقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أرأيتكم ليلتكم هذه فإن إلى رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد » . قال ابن عمر : يريد أنها تخرم ذلك القرن و
بَقِيَّةٍ
هنا يراد بها النظر والعقل والحزم والثبوت في الدين ، وإنما قيل :
بَقِيَّةٍ
لأن الشرائع والدول ونحوها - قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف فمن ثبت في وقت الضعف فهو بقية الصدر الأول . وقرأت فرقة : « بقية » بتخفيف الياء وهو رد فعيلة إلى فعلة ، وقرأ أبو جعفر وشيبة « بقية » بضم الباء وسكون القاف على وزن فعلة . و
الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ
هو الكفر وما اقترن به من المعاصي ، وهذه الآية فيها تنبيه لأمة محمد وحض على تغيير المنكر والنهي عن الفساد ثم استثنى اللّه تعالى القوم الذين نجاهم مع أنبيائهم وهم قليل بالإضافة إلى جماعاتهم . و
قَلِيلًا
نصب على الاستثناء وهو منقطع عند سيبويه ، والكلام عنده موجب ، وغيره يراه منفيا من حيث معناه أنه لم يكن فيهم أولو بقية . وقرأ جمهور الناس « واتبع » على بناء الفعل للفاعل ، وقرأ حفص بن محمد : « واتبع » على بنائه للمفعول ، ورويت عن أبي عمرو . و
ما أُتْرِفُوا فِيهِ
أي عاقبة ما نعموا به - على بناء الفعل للمفعول - والمترف : المنعم الذي شغلته ترفته عن الحق حتى هلك ومنه قول الشاعر :
تحيي رؤوس المترفين الصداد * إلى أمير المؤمنين الممتاد
يريد المسؤول ، يقال مادة : إذا سأله . وقوله :
بِظُلْمٍ
، يحتمل أن يريد بظلم منه لهم - تعالى عن ذلك - قال الطبري : ويحتمل أن يريد : بشرك منهم ، وهم مصلحون في أعمالهم وسيرهم ، وعدل بعضهم في بعض ، أي أنهم لا بد من معصية تقترن بكفرهم .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 214 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى