تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 211

مساهمون:

ص٢١١
قال أبو علي وهذا ضعيف ؛ وقد اجتمع في هذه السورة ميمات أكثر من هذه في قوله :
أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ
[ هود : 48 ] ولم يدغم هناك فأحرى أن لا يدغم هنا . قال القاضي أبو محمد : وقال بعض الناس أصلها : لمن ما ، ف « من » خبر « إن » و « ما » زائدة وفي التأويل الذي قبله أصله : لمن ما ، ف « ما » هي الخبر دخلت عليها « من » على حد دخولها في قول الشاعر :
وإنا لمن ما نضرب الكبش ضربة * على رأسه تلقي اللسان من الفم
وقالت فرقة « لما » أصلها « لما » منونة ، والمعنى : وإن كلا عاما حصرا شديدا ، فهو مصدر لم يلم ، كما قال :
وَتَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلًا « لَمًّا »
[ الفجر : 19 ] أي شديدا قالت : ولكنه ترك تنوينه وصرفه وبني منه فعلى كما فعل في تترى فقرئ : تترى . قال القاضي أبو محمد : وفي هذا نظر ، حكي عن الكسائي أنه قال : لا أعرف وجه التثقيل في « لما » ، قال أبو علي : وأما من قرأ « لمّا » بالتنوين وشد الميم فواضح الوجه كما بينا ، وأما من قرأ : « وإن كل لما » فهي المخففة من الثقيلة ، وحقها - في أكثر لسان العرب - أن يرتفع ما بعدها ، و « لما » هنا بمعنى إلا ، كما قرأ جمهور القراء :
إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ
[ الطارق : 4 ] . ومن قرأ « إلا » مصرحة فمعنى قراءته واضح ، وهذه الآية وعيد . وقرأ الجمهور : « يعملون » بياء على ذكر الغائب ، وقرأ الأعرج « تعملون » بتاء على مخاطبة الحاضر . قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 112 إلى 115 ]

فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَمَنْ تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 112 ) وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ ( 113 ) وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ ( 114 ) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ( 115 ) أمر النبي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالاستقامة وهو عليها إنما هو أمر بالدوام والثبوت ، وهذا كما تأمر إنسانا بالمشي والأكل ونحوه وهو ملتبس به . والخطاب بهذه الآية للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه الذين تابوا من الكفر ، ولسائر أمته بالمعنى ، وروي أن بعض العلماء رأي النبي صلى اللّه عليه وسلم في النوم فقال له : يا رسول اللّه بلغنا عنك أنك قلت : شيبتني هود وأخواتها فما الذي شيبك من هود ؟ قال له : قوله تعالى :
فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ
. قال القاضي أبو محمد : والتأويل المشهور في قوله عليه السّلام : شيبتني هود وأخواتها - أنها إشارة إلى ما فيها مما حل بالأمم السابقة ، فكان حذره على هذه الأمة مثل ذلك شيبه عليه السّلام . وقوله :
أُمِرْتَ
مخاطبة تعظيم ، وقوله :
وَمَنْ
معطوف على الضمير في قوله :
فَاسْتَقِمْ
،