تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
قال القاضي أبو محمد : وهذا ضعيف ، وإنما ذهب قائله إلى نحو ما قيل إن اللّه تعالى يمهل الدول على الكفر ولا يمهلها على الظلم والجور ، ولو عكس لكان ذلك متجها ، أي ما كان اللّه ليعذب أمة بظلمهم في معاصيهم وهم مصلحون في الإيمان ، والاحتمال الأول في ترتيبنا أصح إن شاء اللّه . قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 118 إلى 119 ]

وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 ) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ( 119 ) المعنى : لجعلهم أمة واحدة مؤمنة - قاله قتادة - حتى لا يقع منهم كفر ولا تنزل بهم مثلة ، ولكنه عزّ وجل لم يشأ ذلك ، فهم لا يزالون مختلفين في الأديان والآراء والملل - هذا تأويل الجمهور - قال الحسن وعطاء ومجاهد وغيرهم : المرحومون المستثنون هم المؤمنون ليس عندهم اختلاف . وقالت فرقة :
لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
في السعادة والشقاوة ، وهذا قريب المعنى من الأول إذ هي ثمرة الأديان والاختلاف فيها ، ويكون الاختلاف - على هذا التأويل - يدخل فيه المؤمنون إذ هم مخالفون للكفرة ؛ وقال الحسن أيضا : لا يزالون مختلفين في الغنى والفقر . قال القاضي أبو محمد : وهذا قول بعيد معناه من معنى الآية ، ثم استثنى اللّه تعالى من الضمير في
يَزالُونَ
من رحمه من الناس بأن هداه إلى الإيمان ووفقه له . وقوله :
وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ
اختلف فيه المتأولون ، فقالت فرقة : ولشهود اليوم المشهود - المتقدم ذكره - خلقهم ، وقالت فرقة : ذلك إشارة إلى قوله - قبل -
فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ
[ هود : 105 ] أي لهذا خلقهم . قال القاضي أبو محمد : وهذان المعنيان وإن صحا فهذا العود المتباعد ليس بجيد ؛ وروى أشهب عن مالك أنه قال : ذلك إشارة إلى أن يكون فريق في الجنة وفريق في السعير . قال القاضي أبو محمد : فجاءت الإشارة بذلك إلى الأمرين : الاختلاف والرحمة وقد قاله ابن عباس واختاره الطبري ويجيء - عليه - الضمير في
خَلَقَهُمْ
للصنفين وقال مجاهد وقتادة ذلك عائد على الرحمة التي تضمنها قوله :
إِلَّا مَنْ رَحِمَ
، أي وللرحمة خلق المرحومين ، قال الحسن ، وذلك إشارة إلى الاختلاف الذي في قوله :
وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ
. قال القاضي أبو محمد : ويعترض هذا بأن يقال : كيف خلقهم للاختلاف ؟ وهل معنى الاختلاف هو المقصود بخلقهم ؟ فالوجه في الانفصال أن نقول : إن قاعدة الشرع أن اللّه عزّ وجل خلق خلقا للسعادة وخلقا للشقاوة ، ثم يسر كلّا لما خلق له ، وهذا نص في الحديث الصحيح وجعل بعد ذلك الاختلاف في