الدين على الحق هو أمارة الشقاوة وبه علق العقاب ، فيصح أن يحمل قوله هنا وللاختلاف خلقهم : أي لثمرة الاختلاف وما يكون عنه من الشقاوة . ويصح أن يجعل اللام في قوله :
وَلِذلِكَ
لام الصيرورة أي وخلقهم ليصير أمرهم إلى ذلك ، وإن لم يقصد بهم الاختلاف .
قال القاضي أبو محمد : ومعنى قوله
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
[ الذاريات : 56 ] أي لآمرهم بالعبادة ، وأوجبها عليهم ، فعبر عن ذلك بثمرة الأمر ومقتضاه .
وقوله ،
وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ
أي نفذ قضاؤه وحق أمره ، واللام في
لَأَمْلَأَنَّ
لام قسم إذ « الكلمة » تتضمن القسم . و « الجن » جمع لا واحد له من لفظه وهو من أجن إذا ستر و « الهاء » في
بِالْجَنَّةِ
للمبالغة . وإن كان الجن يقع على الواحد فالجنة جمعه .
قوله عزّ وجل :
[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 120 إلى 123 ]
وَكُلاًّ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وَجاءَكَ فِي هذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ( 120 ) وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ ( 121 ) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ( 122 ) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 123 )
قوله :
وَكُلًّا
مفعول مقدم ب
نَقُصُّ
وقيل : هو منصوب على الحال ، وقيل على المصدر .
قال القاضي أبو محمد : وهذان ضعيفان ، و
ما
بدل من قوله :
كُلًّا
، و
نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ
أي نؤنسك فيما تلقاه ، ونجعل لك الأسوة في من تقدمك من الأنبياء ، وقوله :
فِي هذِهِ
قال الحسن : هي إشارة إلى دار الدنيا ، وقال ابن عباس : إلى السورة والآيات التي فيها ذكر قصص الأمم ، وهذا قول الجمهور .
قال القاضي أبو محمد : ووجه تخصيص هذه السورة بوصفها ب
الْحَقُّ
- والقرآن كله حق - أن ذلك يتضمن معنى الوعيد للكفرة والتنبيه للناظر ، أي جاءك في هذه السورة الحق الذي أصاب الأمم الظالمة ، وهذا كما يقال عند الشدائد : جاء الحق وإن كان الحق يأتي في غير شديدة وغير ما وجه ، ولا يستعمل في ذلك : جاء الحق ، ثم وصف أيضا أن ما تضمنته السورة هي
مَوْعِظَةٌ وَذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ
؛ فهذا يؤيد أن لفظة
الْحَقُّ
إنما تختص بما تضمنت من وعيد للكفرة .
وقوله تعالى :
وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
الآية ، هذه آية وعيد ، أي
اعْمَلُوا
على حالاتكم التي أنتم عليها من كفركم .