تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 206

مساهمون:

ص٢٠٦
المعنى : وما وضعنا عندهم من التعذيب ما لا يستحقونه ، لكنهم ظلموا أنفسهم بوضعهم الكفر موضع الإيمان ، والعبادة في جنبة الأصنام ، فما نفعتهم تلك الأصنام ولا دفعت عنهم حين جاء عذاب اللّه . وال
تَتْبِيبٍ
الخسران ، ومنه
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ
[ المسد : 1 ] ومنه قول جرير : [ الوافر ]
عرابية من بقية قوم لوط * ألا تبا لما فعلوا تبابا
وصورة زيادة الأصنام التتبيب ، إنما يتصور : إما بأن تأهيلها والثقة بها والتعب في عبادتها شغلت نفوسهم وصرفتها عن النظر في الشرع وعاقتها ، فلحق عن ذلك عنت وخسران ، وإما بأن عذابهم على الكفر يزاد إليه عذاب على مجرد عبادة الأوثان . وقوله
وَكَذلِكَ
الإشارة إلى ما ذكر من الأحداث في الأمم ، وهذه آية وعيد تعم قرى المؤمنين ، فإن
ظالِمَةٌ
أعم من كافرة ، وقد يمهل اللّه تعالى بعض الكفرة ، وأما الظلمة - في الغالب فمعاجلون أما أنه يملى لبعضهم ، وفي الحديث - من رواية أبي موسى - أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن اللّه يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته » ثم قرأ :
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ
الآية . وقرأ أبو رجاء العطاردي وعاصم الجحدري « ربّك إذا أخذ القرى » وهي قراءة متمكنة المعنى ولكن قراءة الجماعة تعطي بقاء الوعيد واستمراره في الزمان ، وهو الباب في وضع المستقبل موضع الماضي . وقوله تعالى :
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً
المعنى : أن في هذه القرى وما حل بها لعبرة وعلامة اهتداء لمن خاف أمر الآخرة وتوقع أن يناله عذابها فنظر وتأمل ، فإن نظره يؤديه إلى الإيمان باللّه تعالى ، ثم عظم اللّه أمر يوم القيامة بوصفه بما تلبس بأجنبي منه للسبب المتصل بينهما ، ويعود الضمير عليه ، و
النَّاسُ
- على هذا - مفعول لم يسم فاعله ، ويصح أن يكون
النَّاسُ
رفعا بالابتداء و
مَجْمُوعٌ
خبر مقدم . وهذه الآية خبر عن الحشر ، و
مَشْهُودٌ
عام على الإطلاق يشهده الأولون والآخرون من الإنس والملائكة والجن والحيوان ، في قول الجمهور ، وفيه - أعني الحيوان الصامت - اختلاف ، وقال ابن عباس : الشاهد : محمد عليه السّلام ، و « المشهود » يوم القيامة . وقوله :
وَما نُؤَخِّرُهُ
الآية ، المعنى وما نؤخر يوم القيامة عجزا عن ذلك ، لكن القضاء السابق قد نفذ فيه بأجل محدود لا يتقدم عنه ولا يتأخر . وقرأ الجمهور « نؤخره » بالنون ، وقرأ الأعمش « يؤخره » بالياء ، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة « يوم يأت » بحذف الياء من « يأتي » في الوصل والوقف ، وقرأ ابن كثير بإثباتها في الوصل والوقف ، وقرأ نافع وأبو عمرو والكسائي بإثباتها في الوصل وحذفها في الوقف ، ورويت أيضا كذلك عن ابن كثير ، والياء ثابتة في مصحف أبي بن كعب ، وسقطت في إمام عثمان ، وفي مصحف ابن مسعود « يوم يأتون » ، وقرأ بها