تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
وقوله :
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ
الآية ، أخبر اللّه تعالى في هذه الآية عن فرعون أنه يأتي يوم القيامة مع قومه المغرقين معه ، وهو يقدمهم إلى النار : وأوقع الفعل الماضي في
فَأَوْرَدَهُمُ
موقع المستقبل ، لوضوح الأمر وارتفاع الإشكال عنه ، ووجه الفصاحة من العرب في أنها تضع أحيانا الماضي موضع المستقبل أن الماضي أدل على وقوع الفعل وحصوله ، و « الورود » في هذه الآية هو ورود الدخول وليس بورود الإشراف على الشيء والإشفاء كقوله تعالى :
وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ
[ القصص : 23 ] وقال ابن عباس : في القرآن أربعة أوراد :
وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها
[ مريم : 71 ] وقوله :
وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلى جَهَنَّمَ وِرْداً
[ مريم : 86 ] وهذه في مريم ، وفي الأنبياء :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ
[ الأنبياء : 98 ] قال : وهي كلها ورد دخول ، ثم ينجي اللّه الذين اتقوا و
الْمَوْرُودُ
صفة لمكان الورد - على أن التقدير :
وَبِئْسَ
مكان
الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ
- وقيل :
الْمَوْرُودُ
ابتداء والخبر مقدم ، والمعنى : المورود بئس الورد . وقوله :
فِي هذِهِ
يريد دار الدنيا ، و « اللعنة » إبعادهم بالغرق والاستئصال وقبيح الذكر غابر الدهر ، وقوله :
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ
أي يلعنون أيضا بدخولهم في جهنم ، قال مجاهد : فلهم لعنتان ، وذهب قوم إلى أن التقسيم هو أن لهم في الدنيا لعنة ويوم القيامة بئس ما يرفدون به فهي لعنة واحدة أولا ، وقبح إرفاد آخرا ، وقوله :
بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ
أي بئس العطاء المعطي لهم ، و
الرِّفْدُ
في كلام العرب : العطية وسمي العذاب هنا رفدا لأن هذا هو الذي حل محل الرفد ، وهذا كما تقول : يا فلان لم يكن خيرك إلا أن تضربني أي لم يكن الذي حل محل الخير منك ، والإرفاد : المعونة . ومنه رفادة قريش : معونتهم لفقراء الحج بالطعام الذي كانوا يطعمونه في الموسم . وقوله :
ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ
الغيب الآية ،
ذلِكَ
إشارة إلى ما تقدم من ذكر العقوبات النازلة بالأمم المذكورة ، و « الأنباء » الأخبار . و
الْقُرى
يحتمل أن يراد بها القرى التي ذكرت في الآيات المتقدمة خاصة ، ويحتمل أن يريد القرى عامة ، أي هذه الأنباء المقصوصة عليك هي عوائد المدن إذا كفرت ، فيدخل - على هذا التأويل - فيها المدن المعاصرة ، ويجيء قوله :
مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ
منها عامر ودائر ، وهذا قول ابن عباس : وعلى التأويل الأول - في أنها تلك القرى المخصوصة - يكون قوله :
قائِمٌ وَحَصِيدٌ
بمعنى قائم الجدرات ومتهدم لا أثر له ، وهذا قول قتادة وابن جريج ، والآية بجملتها متضمنة التخويف وضرب المثل للحاضرين من أهل مكة وغيرهم . قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 101 إلى 105 ]

وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ( 101 ) وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( 102 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ( 103 ) وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ ( 104 ) يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ ( 105 )
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 205 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى