تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
العصابة ثم كثر وصفهم اليوم بعصيب ، ومنه قول الشاعر ، وهو عدي بن زيد : [ الوافر ]
وكنت لزاز خصمك لم أعرد * وقد سلكوك في يوم عصيب
ومنه قول الآخر : [ الطويل ]
فإنك إلا ترض بكر بن وائل * يكن لك يوم بالعراق عصيب
ف « عصيب » - بالجملة - في موضع شديد وصعب الوطأة ، واشتقاقه كما ذكرنا . وقوله تعالى :
وَجاءَهُ قَوْمُهُ
الآية ، روي أن امرأة لوط الكافرة لما رأت ، الأضياف ورأت جمالهم وهيئتهم خرجت حتى أتت مجالس قومها فقالت لهم : إن لوطا أضاف الليلة فتية ما ريء مثلهم جمالا وكذا وكذا ، فحينئذ جاءوا
يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ
، ومعناه يسرعون ، والإهراع هو أن يسرع أمر بالإنسان حتى يسير بين الخبب والخمر ، فهي مشية الأسير الذي يسرع به ، والطامع المبادر إلى أمر يخاف فوته ، ونحو هذا ؛ يقال هرع الرجل وأهرعه طمع أو عدو أو خوف ونحوه . والقراءة المشهورة : « يهرعون » بضم الياء أي يهرعون الطمع ، وقرأت فرقة : « يهرعون » بفتح الياء ، من هرع ، ومن هذه اللفظة قول مهلهل : [ الوافر ]
فجاءوا يهرعون وهم أسارى * تقودهم على رغم الأنوف
وقوله :
وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ
، أي كانت عادتهم إتيان الفاحشة في الرجال ، فجاءوا إلى الأضياف لذلك فقام إليهم لوط مدافعا ، وقال :
هؤُلاءِ بَناتِي *
فقالت فرقة أشار إلى بنات نفسه وندبهم في هذه المقالة إلى النكاح ، وذلك على أن كانت سنتهم جواز نكاح الكافر المؤمنة ، أو على أن في ضمن كلامه أن يؤمنوا . وقالت فرقة : إنما كان الكلام مدافعة لم يرد إمضاؤه ، روي هذا القول عن أبي عبيدة ، وهو ضعيف ، وهذا كما يقال لمن ينهى عن مال الغير : الخنزير أحل لك من هذا وهذا التنطع ليس من كلام الأنبياء صلى اللّه عليه وسلم ، وقالت فرقة : أشار بقوله :
بَناتِي *
إلى النساء جملة إذ نبي القوم أب لهم ، ويقوي هذا أن في قراءة ابن مسعود
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ
[ الأحزاب : 6 ] وهو أب لهم وأشار أيضا لوط - في هذا التأويل - إلى النكاح . وقرأت فرقة - هي الجمهور - « هن أطهر » برفع الراء على خبر الابتداء ، وقرأ الحسن وعيسى بن عمر ومحمد بن مروان وسعيد بن جبير : « أطهر » بالنصب قال سيبويه : هو لحن ، قال أبو عمرو بن العلاء : احتبى فيه ابن مروان في لحنه ، ووجهه عند من قرأ به النصب على الحال بأن يكون
بَناتِي
ابتداء و
هُنَّ
خبره ، والجملة خبر
هؤُلاءِ
. قال القاضي أبو محمد : وهو إعراب مروي عن المبرد ، وذكره أبو الفتح وهو خطأ في معنى الآية ، وإنما قوم اللفظ فقط والمعنى إنما هو في قوله :
أَطْهَرُ
وذلك قصد أن يخبر به فهي حال لا يستغنى عنها - كما تقدم في قوله :
وَهذا بَعْلِي شَيْخاً
[ هود : 72 ] ، والوجه أن يقال :
هؤُلاءِ بَناتِي
ابتداء وخبر ، و
هُنَّ
فصل و
أَطْهَرُ
حال وإن كان شرط الفصل أن يكون بين معرفتين ليفصل الكلام من النعت إلى