تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
له الرسل : تنح عن الباب ، فتنحى وانفتح الباب فضربهم جبريل عليه السّلام بجناحه فطمس أعينهم وعموا ، وانصرفوا على أعقابهم يقولون : النجاء النجاء ، فعند لوط قوم سحرة ، وتوعدوا لوطا ، ففزع حينئذ من وعيدهم ، فحينئذ قالوا له :
إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ
فأمن ، ذكر هذا النقاش ؛ وفي تفسير غيره ما يقتضي أن قولهم :
إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ
كان قبل طمس العيون ، ثم أمروه بالسرى وأعلموه أن العذاب نازل بالقوم ، فقال لهم لوط : فعذبوهم الساعة ، قالوا له :
إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ
أي بهذا أمر اللّه ، ثم أنسوه في قلقه بقولهم :
أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ
. وقرأ نافع وابن كثير « فأسر » من سرى إذا سار في أثناء الليل ، وقرأ الباقون « فاسر » إذا سار في أول الليل و « القطع » القطعة من الليل ، ويحتمل أن لوطا أسرى بأهله من أول الليل حتى جاوز البلد المقتلع ، ووقعت نجاته بسحر فتجتمع هذه الآية مع قوله :
إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ
[ القمر : 34 ] وبيت النابغة جمع بين الفعلين في قوله : [ البسيط ]
أسرت عليه من الجوزاء سارية * تزجي الشمال عليه جامد البرد
فذهب قوم إلى أن سري وأسرى بمعنى واحد واحتجوا بهذا البيت . قال القاضي أبو محمد : وأقول إن البيت يحتمل المعنيين ، وذلك أظهر عندي لأنه قصد وصف هذه الديمة ، وأنها ابتدأت من أول الليل وقت طلوع الجوزاء في الشتاء . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « إلا امرأتك » بالرفع على البدل من
أَحَدٌ
وهذا هو الأوجه إذا استثني من منفي ، كقولك : ما جاءني أحد إلا زيد ، وهذا هو استثناء الملتفتين ، وقرأ الباقون « إلا امرأتك » بالنصب ، ورأت ذلك فرقة من النحاة الوجه في الاستثناء من منفي ، إذ الكلام المنفي في هذا مستقل بنفسه كالموجب ، فإذ هو مثله في الاستقلال ، فحكمه كحكمه في نصب المستثنى ؛ وتأولت فرقة ممن قرأ : « إلا امرأتك » بالنصب أن الاستثناء وقع من الأهل كأنه قال : « فأسر بأهلك إلا امرأتك » . وعلى هذا التأويل لا يكون إلا النصب ، وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : لو كان الكلام : « ولا يلتفت » - بالرفع - لصح الرفع في قوله : « إلا امرأتك » ولكنه نهي ، فإذا استثنيت « المرأة » من
أَحَدٌ
وجب أن تكون « المرأة » أبيح لها الالتفات فيفسد معنى الآية . قال القاضي أبو محمد : وهذا الاعتراض حسن ، يلزم الاستثناء من
أَحَدٌ
رفعت التاء أو نصبت والانفصال عنه يترتب بكلام حكي عن المبرد ، وهو أن النهي إنما قصد به لوط وحده ، و « الالتفات » منفي عنهم بالمعنى ، أي لا تدع أحدا منهم يلتفت ، وهذا كما تقول لرجل : لا يقم من هؤلاء أحد إلا زيد ، وأولئك لم يسمعوك ، فالمعنى : لا تدع أحدا من هؤلاء يقوم والقيام بالمعنى منفي عن المشار إليهم . قال القاضي أبو محمد : وجملة هذا أن لفظ الآية هو لفظ قولنا : لا يقم أحد إلا زيد ، ونحن نحتاج أن يكون معناها معنى قولنا : لا يقم أحد إلا زيد وذلك اللفظ لا يرجع إلى هذا المعنى إلا بتقدير ما حكيناه عن المبرد ، فتدبره . ويظهر من مذهب أبي عبيد أن الاستثناء ، إنما هو من الأهل . وفي مصحف ابن مسعود : « فأسر بأهلك بقطع من الليل إلا امرأتك » وسقط قوله :
وَلا يَلْتَفِتْ