تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وقالت فرقة : المراد
يُجادِلُنا
في مؤمني قوم لوط - وهذا ضعيف - وأمره بالإعراض عن المجادلة يقتضي أنها إنما كانت في الكفرة حرصا عليهم ، والمعنى : قلنا يا إبراهيم أعرض عن المجادلة في هؤلاء القوم والمراجعة فيهم ، فقد نفذ فيهم القضاء ، و
جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ
الأمر هنا : واحد الأمور بقرينة وصفه بالمجيء ، فإن جعلناه مصدر أمر قدرنا حذف مضاف ، أي جاء مقتضى أمر ربك ونحو هذا ؛ وقوله
آتِيهِمْ عَذابٌ
ابتداء وخبر ؛ جملة في موضع خبر « إن » وقيل :
آتِيهِمْ
خبر « إن » فهو اسم فاعل معتمد ، و
عَذابٌ
فاعل ب
آتِيهِمْ
. وهذه الآية مقتضية أن الدعاء إنما هو أن يوفق اللّه الداعي إلى طلب المقدور ، فأما الدعاء في طلب غير المقدور فغير مجد ولا نافع . قوله عزّ وجل :

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 77 إلى 80 ]

وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 ) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 ) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ( 79 ) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( 80 ) « الرسل » هنا هم الملائكة الذين كانوا أضياف إبراهيم عليه السّلام ، وذلك أنهم لما خرجوا إلى بلد لوط - وبينه وبين قرية إبراهيم ثمانية أميال - وصلوه ، فقيل : وجدوا لوطا في حرث له ، وقيل : وجدوا ابنته تستقي ماء في نهر سدوم - وهي أكبر حواضر قوم لوط - فسألوها الدلالة على من يضيفهم ، ورأت هيئتهم فخافت عليهم من قوم لوط ، وقالت لهم : مكانكم ؛ وذهبت إلى أبيها فأخبرته ، فخرج إليهم ، فقالوا له : نريد أن تضيفنا الليلة ، فقال لهم : أو ما سمعتم بعمل هؤلاء القوم ؟ فقالوا وما عملهم ؟ فقال أشهد باللّه لهم شر قوم في الأرض وقد كان اللّه عزّ وجل قال للملائكة : لا تعذبوهم حتى يشهد عليهم لوط أربع شهادات ، فلما قال لوط هذه قال جبريل لأصحابه : هذه واحدة وتردد القول بينهم حتى كرر لوط الشهادة أربع مرات ، ثم دخل لوط بهم المدينة وحينئذ
سِيءَ بِهِمْ
أي أصابه سوء . و
سِيءَ
فعل بني للمفعول ، و « الذرع » : مصدر مأخوذ من الذراع ، ولما كان الذراع موضع قوة الإنسان قيل في الأمر الذي لا طاقة له به : ضاق بهذا الأمر ذراع فلان ، وذرع فلان ، أي حيلته بذراعه ، وتوسعوا في هذا حتى قلبوه فقالوا : فلان رحب الذراع ، إذا وصفوه باتساع القدرة ومنه قول الشاعر :
يا سيد ما أنت من سيد * موطأ الأكناف رحب الذراع
وقوله :
هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ
أشار به إلى ما كان يتخوفه من تعدي قومه على أضيافه واحتياجه إلى المدافعة مع ضعفه عنها ، و
عَصِيبٌ
بناء اسم فاعل معناه : يعصب الناس بالشر كما يعصب الخابط السلمة إذا أراد خبطها ونفض ورقها ، ومنه قول الحجاج في خطبته : ولأعصبنكم عصب السلمة ، فهو من
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 193 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى