تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
بسعاية سيف بن ذي يزن ، والأمر بكماله في السير ، وقال السدي كانوا سبعين أهل بيت من قوم فرعون . قال القاضي أبو محمد : ومما يضعف عود الضمير على « موسى » أن المعروف من أخبار بني إسرائيل أنهم كانوا قوما قد تقدمت فيهم النبوات وكانوا في مدة فرعون قد نالهم ذل مفرط وقد رجوا كشفه على يد مولود يخرج فيهم يكون نبيا ، فلما جاءهم موسى عليه السلام أصفقوا عليه واتبعوه ولم يحفظ قط أن طائفة من بني إسرائيل كفرت به فكيف تعطي هذه الآية أن الأقل منهم كان الذي آمن ، فالذي يترجح بحسب هذا أن الضمير عائد على « فرعون » ويؤيد ذلك أيضا ما تقدم من محاورة موسى ورده عليهم وتوبيخهم على قولهم هذا سحر ، فذكر اللّه ذلك عنهم ، ثم قال
فَما آمَنَ لِمُوسى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ
من قوم فرعون الذين هذه أقوالهم ، وروي في ذلك أنه آمنت زوجة فرعون وخازنه وامرأة خازنه وشباب من قومه ، قاله ابن عباس ، والسحرة أيضا فإنهم معدودون في قوم فرعون وتكون القصة على هذا التأويل بعد ظهور الآية والتعجيز بالعصا ، وتكون الفاء مرتبة للمعاني ، التي عطفت ، ويعود الضمير في
مَلَائِهِمْ
على « الذرية » ، ولاعتقاد الفراء وغيره عود الضمير على موسى تخبطوا في عود الضمير في
مَلَائِهِمْ
، فقال بعضهم : ذكر فرعون وهو الملك يتضمن الجماعة والجنود ، كما تقول جاء الخليفة وسافر الملك وأنت تريد جيوشه معه ، وقال الفراء : المعنى على خوف من آل فرعون وملئهم وهو من باب
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] . قال القاضي أبو محمد : وهذا التنظير غير جيد لأن إسقاط المضاف في قوله
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
[ يوسف : 82 ] هو سائغ بسبب ما يعقل من أن « اسأل القرية » لا تسأل ، ففي الظاهر دليل على ما أضمر ، وأما هاهنا فالخوف من فرعون متمكن لا يحتاج معه إلى إضمار ، إما أنه ربما احتج أن الضمير المجموع في
مَلَائِهِمْ
يقتضي ذلك والخوف إنما يكون من الأفعال والأحداث التي للجثة ولكن لكثرة استعماله ولقصد الإيجاز أضيف إلى الأشخاص ، وقوله
أَنْ يَفْتِنَهُمْ
بدل من
فِرْعَوْنَ
وهو بدل الاشتمال ، ف
أَنْ
في موضع خفض ، ويصح أن تكون في موضع نصب على المفعول من أجله ، وقرأ الحسن والجراح ، ونبيح « أن يفتنهم » بضم الياء ، ثم أخبر عن فرعون بالعلو في الأرض والإسراف في الأفعال والقتل والدعاوى ليتبين عذر الخائفين ، وقوله تعالى :
وَقالَ مُوسى
- إلى -
الْكافِرِينَ
، ابتداء حكاية قول موسى لجماعة بني إسرائيل المؤمنين منهم مؤنسا لهم ونادبا إلى التوكل على اللّه الذي بيده النصر ومسألة التوكل متشعبة للناس فيها خوضات ، والذي أقول : إن التوكل الذي أمرنا له هو مقترن بتسبب جميل على مقتضى الشرع ، وهو الذي في قوله صلى اللّه عليه وسلم « قيدها وتوكل » فقد جعله متوكلا مع التقييد ، والنبي صلى اللّه عليه وسلم رأس المتوكلين وقد تسبب عمره كله ، وكذلك السلف كله ، فإن شذ متوكل فترك التسبب جملة فهي رتبة رفيعة ما لم يسرف بها إلى حد قتل نفسه وإهلاكها ، كمن يدخل غارا خفيا يتوكل فيه فهذا ونحوه مكروه عند جماعة من العلماء ، وما روي من إقدام عامر بن قيس على الأسد ونحو ذلك كله ضعيف ، وللصحيح منه قرائن تسهله ، وللمسلمين أجمعين قال اللّه تعالى
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
[ البقرة : 198 ] ، ولهم قال
وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ
[ الأنفال : 2 ] ليس فيه أنهم يتركون التسبب جملة واحدة ولا حفظ عن عكاشة أنه ترك التسبب بل كان يغزو ويأخذ سهمه ، وأعني بذلك ترك التسبب في الغذاء ، وأما ترك التسبب في الطب فسهل وكثير من الناس جبل عليه دون نية وحسبة ، فكيف
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 137 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى