تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
وقوله
وَكانُوا يَتَّقُونَ
لفظ عام في تقوى الشرك والمعاصي . قوله عزّ وجل :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 64 إلى 66 ]

لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 64 ) وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 65 ) أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَما يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 66 ) أما بشرى الآخرة فهي بالجنة قولا واحدا وتلك هي الفضل الكبير الذي في قوله
وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً
[ الأحزاب : 47 ] وأما بشرى الدنيا فتظاهرت الأحاديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنها الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له ، روى ذلك عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أبو الدرداء وعمران بن حصين وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن عمر وغيرهم على أنه سئل عن ذلك ففسره بالرؤيا ، وعن النبي صلى اللّه عليه وسلم في صحيح مسلم أنه قال : « لم يبق من المبشرات إلا الرؤيا الصالحة » ، وروت عنه أم كرز الكعبية أنه قال : « ذهبت النبوءة وبقيت المبشرات » ، وقال قتادة والضحاك : البشرى في الدنيا هي ما يبشر به المؤمن عند موته وهو حي عند المعاينة . قال القاضي أبو محمد : ويصح أن تكون بشرى الدنيا في القرآن من الآيات المبشرات ، ويقوى ذلك بقوله في هذه الآية
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
وإن كان ذلك كله يعارضه قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « هي الرؤيا » إلا إن قلنا إن النبي صلى اللّه عليه وسلم أعطى مثالا من البشرى وهي تعم جميع الناس ، وقوله
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
يريد لا خلف لمواعيده ولا رد في أمره . قال القاضي أبو محمد : وقد أخذ ذلك عبد اللّه بن عمر على نحو غير هذا وجعل التبديل المنفي في الألفاظ وذلك أنه روي : أن الحجّاج بن يوسف خطب فأطال خطبته حتى قال : إن عبد اللّه بن الزبير قد بدل كتاب اللّه ، فقال له عبد اللّه بن عمر : إنك لا تطيق ذلك أنت ولا ابن الزبير
لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
، فقال له الحجاج : لقد أعطيت علما فلما انصرف إليه في خاصته سكت عنه ، وقد روي هذا النظر عن ابن عباس في غير مقاولة الحجّاج ، ذكره البخاري ، وقوله
ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
إشارة إلى النعيم الذي به وقعت البشرى . وقوله :
وَلا يَحْزُنْكَ
، الآية . هذه آية تسلية لمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، المعنى ولا يحزنك يا محمد ويهمك قولهم ، أي قول كفار قريش ، ولفظة القول تعم جحودهم واستهزاءهم وخداعهم وغير ذلك ، ثم ابتدأ بوجوب
إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً
، أي فهم لا يقدرون على شيء ولا يؤذونه إلا بما شاء اللّه وهو القادر على عقابهم لا يعازه شيء ، ففي الآية وعيد لهم ، وكسر
إِنَّ
في الابتداء ولا ارتباط لها بالقول المتقدم لها ، وقال ابن قتيبة لا يجوز فتح « إن » في هذا الموضع وهو كفر . قال القاضي أبو محمد : وقوله هو كفر غلو ، وكأن ذلك يخرج على تقدير لأجل أن العزة للّه ، وقوله :