تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
يخفى حتى قالوا للبعيد عازب ، ومنه قول الشاعر [ ابن مقبل ] : [ الطويل ]
عوازب لم تسمع نبوح مقامه * ولم تر نارا تم حول محرم
وقيل للغائب عن أهله : عازب ، حتى قالوه لمن لا زوجة له ، وفي السير أن بيت سعد بن خيثمة كان يقال : بيت العزاب ، وقرأ جمهور السبعة والناس « يعزب » يضم الزاي ، وقرأ الكسائي وحده منهم : « يعزب » بكسرها وهي قراءة ابن وثاب والأعمش وطلحة بن مصرف ، قال أبو حاتم : القراءة بالضم ، والكسر لغة ، و « المثقال » : الوزن ، وهو اسم ، لا صفة كمعطار ومضراب ، والذر : صغار النمل ، جعلها اللّه مثالا إذ لا يعرف في الحيوان المتغذي المتناسل المشهور النوع والموضع أصغر منه ، وقرأ جمهور الناس وأكثر السبعة : « ولا أصغر ولا أكبر » بفتح الراء عطفا على
ذَرَّةٍ
في موضع خفض لكن منع من ظهوره امتناع الصرف ، وقرأ حمزة وحده : « ولا أصغر ولا أكبر » عطفا على موضع قوله
مِثْقالِ
، لأن التقدير وما يعزب عن ربك مثقال ذرة ، و « الكتاب المبين » : اللوح المحفوظ ، كذا قال بعض المفسرين ، ويحتمل أن يريد تحصيل الكتبة ، ويكون القصد ذكر الأعمال المذكورة قبل ، وتقديم « الأصغر » في الترتيب جرى على قولهم : القمرين والعمرين ، ومنه قوله تعالى :
لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً
[ الكهف : 49 ] والقصد بذلك تنبيه ، الأقل وأن الحكم المقصود إذا وقع على الأقل فأحرى أن يقع على الأعظم ، و
أَلا
استفتاح وتنبيه ، و
أَوْلِياءَ اللَّهِ
هم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة ، وهذه الآية يعطي ظاهرها أن من آمن واتقى فهو داخل في أولياء اللّه ، وهذا هو الذي تقتضيه الشريعة في الولي ، وإنّما نبهنا هذا التنبيه حذرا من بعض الوصفية وبعض الملحدين في الولي ، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه إذ سئل عن أولياء اللّه ؟ فقال : الذين إذا رأيتهم ذكرت اللّه . قال القاضي أبو محمد : وهذا وصف لازم للمتقين لأنهم يخشعون ويخشعون ، وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أيضا أنه قال : « أولياء اللّه قوم تحابوا في اللّه واجتمعوا في ذاته لم تجمعهم قرابة ولا مال يتعاطونه وقوله
لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
يحتمل أن يكون في الآخرة ، أي لا يهتمون بهمها ولا يخافون عذابا ولا عقابا ولا يحزنون لذلك ، ويحتمل أن يكون ذلك في الدنيا أي لا يخافون أحدا من أهل الدنيا ولا من أعراضها ولا يحزنون على ما فاتهم منها ، والأول أظهر والعموم في ذلك صحيح لا يخافون في الآخرة جملة ولا في الدنيا الخوف الدنياوي الذي هو في فوت آمالها وزوال منازلها وكذلك في الحزن ، وذكر الطبري عن جماعة من العلماء مثل ما في الحديث من الأولياء الذين إذا رآهم أحد ذكر اللّه ، وروي فيهم حديث : « إن أولياء اللّه هم قوم يتحابون في اللّه وتجعل لهم يوم القيامة منابر من نور وتنير وجوههم ، فهم في عرصة القيامة لا يخافون ولا يحزنون » ، وروي عن عمر بن الخطاب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « إن من عباد اللّه عبادا ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء بمكانهم من اللّه قالوا ومن هم يا رسول اللّه ؟ قال : « قوم تحابوا بروح اللّه على غير أرحام ولا أموال » ، الحديث ، ثم قرأ
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
، وقوله
الَّذِينَ آمَنُوا
يصح أن يكون في موضع نصب على البدل من الأولياء ، ويصح أن يكون في موضع رفع على الابتداء على تقديرهم الذين ، وكثيرا ما يفعل ذلك بنعت ما عملت فيه « أن » إذا جاء بعد خبرها ، ويصح أن يكون
الَّذِينَ
ابتداء وخبره في قوله
لَهُمُ الْبُشْرى
،
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 128 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى