تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 108

مساهمون:

ص١٠٨
من كل ما نال الفتى * قد نلته إلا التحية
يريد دعاء الناس للملوك بالحياة ، وقد سمي الملك تحية بهذا التدريج ومنه قول عمرو بن معديكرب :
أزور أبا قابوس حتى * أنيخ على تحيته بجندي
أراد علي مملكته وقال بعض العلماء
وَتَحِيَّتُهُمْ
يريد تسليم اللّه عزّ وجل عليهم ، و « السلام » مأخوذ من السلامة ، وقوله
وَآخِرُ دَعْواهُمْ
يريد وخاتمة دعواهم في كل موطن وكلامهم شكر اللّه تعالى وحمده على سابغ نعمه ، وكانت بدأتهم بالتنزيه والتعظيم ، وقرأ جمهور الناس « أن الحمد للّه » وهي عند سيبويه « أن » المخففة من الثقيلة ، وقرأ ابن محيصن وبلال بن أبي بردة ويعقوب وأبو حيوة « أنّ الحمد للّه » ، وهي على الوجهين رفع على خبر الابتداء ، قال أبو الفتح : هذه القراءة تدل على أن قراءة الجماعة هي أن المخففة من الثقيلة بمنزلة الأعشى : [ البسيط ]
في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كلّ من يحفى وينتعل
قوله عزّ وجل :

[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 11 إلى 12 ]

وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 11 ) وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 12 ) هذه الآية قال مجاهد نزلت في دعاء الرجل على نفسه أو ماله أو ولده ونحو هذا ، فأخبر اللّه تعالى أنه لو فعل مع الناس في إجابته إلى المكروه مثل ما يريدون فعله معهم في إجابته إلى الخير لأهلكهم ، ثم حذف بعد ذلك من القول جملة يتضمنها الظاهر ، تقديرها ولا يفعل ذلك ولكن يذر الذين لا يرجون فاقتضب القول وتوصّل إلى هذا المعنى بقوله
فَنَذَرُ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا
فتأمل هذا التقدير تجده صحيحا ، و
اسْتِعْجالَهُمْ
نصب على المصدر ، والتقدير مثل استعجالهم ، وقيل : التقدير تعجيلا مثل استعجالهم ، وهذا قريب من الأول ، وقيل إن هذه الآية نزلت في قوله
اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ
[ الأنفال : 32 ] وقيل نزلت في قوله
ائْتِنا بِما تَعِدُنا
[ الأعراف : 77 ] وما جرى مجراه ، وقرأ جمهور القراء « لقضي » على بناء الفعل للمفعول ورفع « الأجل » ، وقرأ ابن عامر وحده وعوف وعيسى بن عمر ويعقوب ، « لقضى » على بناء الفعل للفاعل ونصب « الأجل » وقرأ الأعمش : « لقضينا » ، و « الأجل » في هذا الموضع أجل الموت ، ومعنى قضى في هذه الآية أكمل وفرغ ، ومنه قول أبي ذؤيب : [ الكامل ]
وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 108 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى