ذلك بتمامه وقطع عمله ، وقرأ ابن أبي عبلة « حقّ » بالرفع فهو ابتداء وخبره « أنه » وقوله
يَبْدَؤُا الْخَلْقَ
يريد النشأة الأولى ، والإعادة هي البعث من القبور ، وقرأ طلحة « يبدئ الخلق » بضم الياء وكسر الدال ، وقوله
لِيَجْزِيَ
هي لام كي والمعنى أن الإعادة إنما هي ليقع الجزاء على الأعمال ، وقوله
بِالْقِسْطِ
أي بالعدل في رحمتهم وحسن جزائهم ، وقوله
وَالَّذِينَ كَفَرُوا
ابتداء و « الحميم » الحار المسخن وهو فعيل بمعنى مفعول ومنه الحمام والحمة ومنه قول المرقش :
في كل يوم لها مقطرة * وكباء معدة وحميم
وحميم النار فيما ذكر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا أدناه الكافر من فيه تساقطت فروة رأسه ، وهو كما وصفه تعالى
يَشْوِي الْوُجُوهَ
[ الكهف : 29 ] .
قوله عزّ وجل :
[ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 5 إلى 6 ]
هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 5 ) إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ( 6 )
هذا استمرار على وصف آيات اللّه والتنبيه على صنعته الدالة على الصانع ، وهذه الآية تقتضي أن « الضياء » أعظم من « النور » وأبهى بحسب
الشَّمْسَ
وَالْقَمَرَ
، ويلحق هاهنا اعتراض وهو أنّا وجدنا اللّه تعالى شبه هداه ولطفه بخلقه بالنور فقال
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ النور : 35 ] ، وهذا يقتضي أن النور أعظم هذه الأشياء وأبلغها في الشروق وإلا فلم ترك التشبيه إلا على الذي هو « الضياء » وعدل إلى الأقل الذي هو « النور » ، فالجواب عن هذا والانفصال : أن تقول إن لفظة النور أحكم وأبلغ في قوله
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
[ النور : 35 ] ، وذلك أنه تعالى شبه هداه ولطفه الذي نصبه لقوم يهتدون وآخرين يضلون معه بالنور الذي هو أبدا موجود في الليل وأثناء الظلام ، ولو شبهه بالضياء لوجب أن لا يضل أحد إذ كان الهدى يكون مثل الشمس التي لا تبقى معها ظلمة ، فمعنى الآية أن اللّه تعالى قد جعل هداه في الكفر كالنور في الظلام فيهتدي قوم ويضل آخرون ، ولو جعله كالضياء لوجب أن لا يضل أحد وبقي الضياء على هذا الانفصال أبلغ في الشروق كما اقتضت آيتنا هذه واللّه عزّ وجل هو ضياء السماوات والأرض ونورها وقيومها ، ويحتمل أن يعترض هذا الانفصال واللّه المستعان ، وقوله
وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ
يريد البروج المذكورة في غير هذه الآية ، وأما الضمير الذي رده على
الْقَمَرَ
وقد تقدم ذكر
الشَّمْسَ
معه فيحتمل أن يريد بالضمير « القمر » وحده لأنه هو المراعى في معرفة
عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ
عند العرب ويحتمل أن يريدهما معا بحسب أنهما يتصرفان في معرفة عدد السنين والحساب عند العرب . لكنه اجتزأ بذكر الواحد كما قال
وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ
[ التوبة : 62 ] وكما قال الشاعر [ أبو حيان ] : [ الطويل ]
رماني بذنب كنت منه ووالدي * بريّا ومن أجل الطويّ رماني