تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
الاشتراك في العامل الأول نفسه لا يكون إلا بحرف عطف ، وإنما القصد أن تعدد نعمة اللّه تعالى على المؤمنين في يوم بدر فقال : واذكروا إذ فعلنا كذا وقال الطبري : العامل في
إِذْ
قوله
وَلِتَطْمَئِنَّ
[ الأنفال : 10 ] . قال القاضي أبو محمد : وهذا مع احتماله فيه ضعف ، ولو جعل العامل في
إِذْ
شيئا قريبا مما قبلها لكان الأولى في ذلك أن يعمل في
إِذْ
حَكِيمٌ
[ الأنفال : 10 ] لأن إلقاء النعاس عليهم وجعله أمنة حكمة من اللّه عزّ وجل ، وقرأ نافع « يغشيكم » بضم الياء وسكون الغين وهي قراءة الأعرج وأبي حفص وابن نصاح ، وقرأ عاصم وحمزة وابن عامر والكسائي « يغشّيكم » بفتح الغين وشد الشين المكسورة وهي قراءة عروة بن الزبير وأبي رجاء والحسن وعكرمة وغيرهم ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « يغشاكم » بفتح الياء وألف بعد الشين وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وأهل مكة « النعاس » بالرفع ، وحجة من قرأ « يغشاكم » إجماعهم في آية أحد على
يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ
[ آل عمران : 154 ] ، وحجة من قرأ « يغشيكم » أن يجيء الكلام متسقا مع
يُنَزِّلُ
، ومعنى
يُغَشِّيكُمُ
يغطيكم به ويفرغه عليكم ، وهذه استعارة و
النُّعاسَ
أخف النوم وهو الذي قد يصيب الإنسان وهو واقف أو ماش ، وينص على ذلك قصص هذه الآية أنهم إنما كان بهم خفق في الرؤوس ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « إذا نعس أحدكم في صلاته » الحديث ، وينص على ذلك قول الشاعر [ ابن الرقاع ] : [ الكامل ]
وسنان أقصده النعاس فرنّقت * في عينه سنة وليس بنائم
وقوله
أَمَنَةً
مصدر من أمن الرجل يأمن أمنا وأمنة وأمانا ، والهاء فيها لتأنيث المصدر كما هي في المساءة والمشقة ، وقرأ ابن محيصن « أمنة » بسكون الميم وروي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال : النعاس عند حضور القتال علامة أمن من العدو وهو من اللّه ، وهو في الصلاة من الشيطان . قال القاضي أبو محمد : وهذا إنما طريقه الوحي فهو لا محالة إنما يسنده ، وقوله
وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً
تعديد أيضا لهذه النعمة في المطر ، فقال بعض المفسرين وحكاه الطبري عن ابن عباس وغيره ، وقاله الزجّاج : إن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه وبقي المؤمنون لا ماء لهم فوجست نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا كذلك ، فقال بعضهم في نفوسهم - بإلقاء الشيطان إليهم - نزعم أنّا أولياء اللّه وفينا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وحالنا هذه والمشركون على الماء ، فأنزل اللّه المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية فشرب الناس وتطهروا وسقوا الظهر . وتدمثت السبخة التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام المسلمين وقت القتال وكانت قبل المطر تسوخ فيها الأرجل فلما نزل الطش تلبدت قالوا : فهذا معنى قوله
لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ
أي من الجنابة ،
وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ
أي عذابه لكم بوساوسه المتقدمة الذكر ، والرجز العذاب ، وقرأ أبو العالية « رجس » بالسين أي وساوسه التي تمقت وتتقذر ، وقرأ ابن محيصن « رجز » بضم الراء ، وقرأ عيسى بن عمر « ويذهب » بجزم الباء ،
وَلِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ
أي بتنشيطها وإزالة الكسل عنها وتشجيعها على العدو ومنه قولهم : رابط الجأش أي ثابت النفس عند جأشها في الحرب
وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدامَ
أي في الرملة الدهسة التي كان المشي فيها صعبا .