هذا الخطاب للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، والمؤمنون داخلون فيه بالمعنى والضمير في
بِأَنَّهُمْ
عائد على الذين كفروا ، و
شَاقُّوا
معناه خالفوا ونابذوا وقطعوا ، وهو مأخوذ من الشق وهو القطع والفصل بين شيئين ، وهذه مفاعلة فكأن اللّه لما شرع شرعا وأمر بأوامر وكذبوا هم وصدوا تباعد ما بينهم وانفصل وانشق ، مأخوذ من هذا لأنه مع شقه الآخر تباعدا وانفصلا وعبر المفسرون عن قوله
شَاقُّوا
أي صاروا في شق غير شقه .
قال القاضي أبو محمد : وهذا وإن كان معناه صحيحا فتحرير الاشتقاق إنما هو ما ذكرناه ، والمثال الأول إنما هو الشّق بفتح الشين ، وأجمعوا على الإظهار في
يُشاقِقِ
اتباعا لخط المصحف ، وقوله
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
جواب الشرط تضمن وعيدا وتهديدا ، وقوله تعالى :
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ
المخاطبة للكفار ، أي ذلكم الضرب والقتل وما أوقع اللّه بهم يوم بدر ، فكأنه قال الأمر ذلكم فذوقوه وكذا فسره سيبويه ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون
ذلِكُمْ
في موضع نصب كقوله زيدا فاضربه ، وقرأ جمهور الناس « وأن » بفتح الألف ، فإما على تقدير وحتم أن . فيقدر على ابتداء محذوف يكون « أن » خبره ، وإما على تقدير واعلموا أن ، فهي على هذا في موضع نصب ، وروى سليمان عن الحسن بن أبي الحسن و « إن » على القطع والاستئناف ، وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً
الآية ،
زَحْفاً
يراد به متقابلي الصفوف والأشخاص ، أي يزحف بعضهم إلى بعض ، وأصل الزحف الاندفاع على الألية ثم سمي كل ماش إلى آخر في الحرب رويدا زاحفا ، إذ في مشيته من التماهل والتباطؤ ما في مشي الزاحف ، ومن الزحف الذي هو الاندفاع قولهم لنار العرفج وما جرى مجراه في سرعة الاتقاد نار الزحفتين ومن التباطؤ في المشي قول الشاعر : [ البسيط ]
كأنهنّ بأيدي القوم في كبد * طير تكشف عن جون مزاحيف
ومنه قول الفرزدق : [ البسيط ]
على عمائمنا تلقى وأرجلنا * على مزاحيف تزجى مخها رير
ومنه قول الآخر [ الأعشى ] : [ الطويل ]
لمن الظعائن سيرهنّ تزحّف
ومن التزحف بمعنى التدافع قول الهذلي : [ الوافر ]
كان مزاحف الحيّات فيه * قبيل الصبح آثار السياط