قال القاضي أبو محمد : وهذا هو المعنى الصحيح ، فإن الآية عامة في أهل الجنة ، و « الغل » الحقد والإحنة الخفية في النفس وجمعه غلال ومنه الغلول أخذ في خفاء ومنه الانغلال في الشيء ، ومنه المغل بالأمانة ، ومنه قول علقمة بن عبدة :
سلاءة كعصا الهندي غل لها * ذو فيئة من نوى قران معجوم
وقوله :
مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ
بين لأن ما كان لاطئا بالأرض فهو تحت ما كان منتصبا آخذا في سماء ، و
هَدانا
بمعى أرشدنا ، والإشارة بهذا تتجه أن تكون إلى الإيمان والأعمال الصالحة المؤدية إلى دخول الجنة ، ويحتمل أن تكون إلى الجنة نفسها ، أي أرشدنا إلى طرقها ولكل واحد من الوجهين أمثلة في القرآن ، وقرأ ابن عامر وحده « ما كنا لنهتدي » بسقوط الواو من قوله :
وَما كُنَّا
، وكذلك هي في مصاحف أهل الشام ، قال أبو علي : وجه سقوط الواو أن الكلام متصل مرتبط بما قبله ، ولما رأوا تصديق ما جاءت به الأنبياء عن اللّه تعالى وعاينوا إنجاز المواعيد قالوا :
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ
فقضوا بأن ذلك حق قضاه من يحس وكانوا في الدنيا يقضون بأن ذلك حق قضاه من يستدل
وَنُودُوا
أي قيل لهم بصياح ، وهذا النداء من قبل اللّه عزّ وجل ، و
أَنْ
يحتمل أن تكون مفسرة لمعنى النداء بمعنى أي ، ويحتمل أن تكون مخففة من الثقيلة وفيها ضمير مستتر تقديره أنه تلكم الجنة ، ونحو هذا قول الأعشى : [ البسيط ]
في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن هالك كل من يحفى وينتعل
تقديره أنه هالك ، ومنه قول الآخر : [ الوافر ]
أكاشره ويعلم أن كلانا * على ما ساء صاحبه حريص
و
تِلْكُمُ الْجَنَّةُ
ابتداء وصفه و
أُورِثْتُمُوها
الخبر و
تِلْكُمُ
إشارة فيها غيبة فإما لأنهم كانوا وعدوابها بها في الدنيا فالإشارة إلى تلك ، أي تلكم هذه الجنة ، وحذفت هذه ، وإما قبل أن يدخلوها وإما بعد الدخول وهم مجتمعون في موضع منها ، فكل غائب عن منزله ، وقوله :
بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
لا على طريق وجوب ذلك على اللّه ، لكن بقرينة رحمته وتغمده ، والأعمال أمارة من اللّه وطريق إلى قوة الرجاء ، ودخول الجنة إنما هو بمجرد رحمة اللّه تعالى ، والقسم فيها على قدر العمل ، و « أورثتم » مشيرة إلى الأقسام ، وقرأ ابن كثير ونافع وعاصم وابن عامر « أورثتموها » وكذلك الزخرف ، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي » أورتموها » بإدغام الثاء في التاء وكذلك في الزخرف .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 44 إلى 45 ]
وَنادى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا رَبُّنا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 44 ) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كافِرُونَ ( 45 )
هذا إخبار من اللّه عزّ وجل عما يكون منهم ، وعبر عن معان مستقبلة بصيغة ماضية وهذا حسن فيما