تلاحقوا ووزنه تفاعلوا أصله تداركوا أدغم فجلبت ألف الوصل ، وقرأ أبو عمرو « اداركوا » بقطع ألف الوصل ، قال أبو الفتح : هذا مشكل ولا يسوغ أن يقطعها ارتجالا فذلك إنما يجيء شاذا في ضرورة الشعر في الاسم أيضا لكنه وقف مثل وقفة المستذكر ثم ابتدأ فقطع ، وقرأ مجاهد بقطع الألف وسكون الدال « أدركوا » بفتح الراء وبحذف الألف بعد الدال بمعنى أدرك بعضهم بعضا ، وقرأ حميد « أدركوا » بضم الهمزة وكسر الراء أي أدخلوا في إدراكها . وقال مكي في قراءة مجاهد إنها « ادّاركوا » بشد الدال المفتوحة وفتح الراء ، قال : وأصله إذ تركوا وزنها افتعلوا ، وقرأ ابن مسعود والأعمش « تداركوا » ورويت عن أبي عمرو ، وقرأ الجمهور « حتى إذ اداركوا » بحذف ألف « إذا » لالتقاء الساكنين .
وقوله تعالى :
قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ
معناه قالت الأمة الأخيرة التي وجدت ضلالات مقررة وسننا كاذبة مستعملة للأولى التي شرعت ذلك وافترت على اللّه وسلكت سبيل الضلال ابتداء ، ربنا هؤلاء طرقوا طرق الضلال وسببوا ضلالنا فآتهم عذابا مضاعفا أي ثانيا زائدا على عذابنا إذ هم كافرون ومسببو كفرنا ، وتقول ضاعفت كذا إذا جعلته مثل الأول ، واللام في قوله
لِأُولاهُمْ
كأنها لام سبب إذ القول إنما هو للرب ، ثم قال عزّ وجل مخبرا لهم
لِكُلٍّ ضِعْفٌ
أي العذاب مشدد على الأول والآخر ولكن لا تعلمون أي المقادير وصور التضعيف ، وهذا رد لكلام هؤلاء ، إذ ليس لهم كرامة فيظهر إسعافهم .
وأما المعنى الذي دعوا فيه فظاهر حديث النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه حاصل وأن كل من سن كفرا أو معصية فعليه كفل من جهة كل من عمل بذلك بعده ، ومنه حديث أنس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، قال : ما من داع دعا إلى ضلالة إلا كان عليه وزره ووزر من اتبعه لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئا ، الحديث ، ذكره الليث بن سعد من آخر الجزء الرابع من حديثه ، وذكره مالك في الموطأ غير مسند موصل ، ومنه قوله « ما تقتل نسمة ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها » ، أما أن هؤلاء عينوا في دعائهم الضعف وقد يكون الكفل أقل أو أكثر ، وعن ابن مسعود أن « الضعف » هاهنا الأفاعي والحيات ، وقرأ جميع السبعة غير عاصم في رواية أبي بكر « ولكن لا تعلمون » بالتاء ويحتمل ذلك أن يكون مخاطبة لهذه الأمة الأخيرة متصلة بقوله لهم
لِكُلٍّ ضِعْفٌ
ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد .
وأمته ، وقرأ عاصم وحده في رواية أبي بكر « ولكن لا يعلمون » ، وروى حفص عن عاصم مثل قراءة الجماعة ، وهذه مخاطبة لأمة محمد وإخبار عن الأمة الأخيرة التي طلبت أن يشدد العذاب على أولاها ، ويحتمل أن يكون خبرا عن الطائفتين حملا على لفظة « كل » ، أي لا يعلم أحد منهم قدر ما أعد لهم من عذاب اللّه .
وقوله عزّ وجل :
وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ
الآية ، المعنى وقالت الأمة الأولى المبتدعة للأمة الأخيرة المتبعة أنتم لا فضل لكم علينا ولم تزدجروا حين جاءتكم النذر والرسل ، بل دمتم في كفركم وتركتم النظر واستوت حالنا وحالكم فذوقوا العذاب باجترامكم ، هذا قول السدي وأبي مجلز وغيرهما ، فقوله فذوقوا على هذا من كلام الأمة المتقدمة للأمة المتأخرة ، وقيل قوله
فَذُوقُوا
هو من كلام اللّه عزّ وجل لجميعهم ، وقال مجاهد ومعنى قوله
مِنْ فَضْلٍ
أي « من » التخفيف .