تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 367

مساهمون:

ص٣٦٧
قال القاضي أبو محمد : ويصح أن يريد بقوله :
أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
جميع ما يقطع بوقوعه من أشراط الساعة ثم خصص بعد ذلك بقوله :
يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
الآية التي ترفع التوبة معها ، وقد بينت الأحاديث أنها طلوع الشمس من مغربها ، وقرأ زهير الفرقبي « يوم يأتي » بالرفع وهو على الابتداء والخبر في الجملة التي هي « لا ينفع » بتاء ، وأنث الإيمان لما أضيف إلى مؤنث . أو لما نزل منزلة التوبة ، وقال جمهور أهل التأويل كما تقدم الآية التي لا تنفع التوبة من الشرك أو من المعاصي بعدها ، هي طلوع الشمس من المغرب . وروي عن ابن مسعود أنها إحدى ثلاث ، إما طلوع الشمس من مغربها ، وإما خروج الدابة ، وإما خروج يأجوج ومأجوج . قال أبو محمد : وهذا فيه نظر لأن الأحاديث ترده وتخصص الشمس . وروي في هذا الحديث أن الشمس تجري كل يوم حتى تسجد تحت العرش وتستأذن فيؤذن لها في طلوع المشرق ، وحتى إذا أراد اللّه عزّ وجل سد باب التوبة أمرها بالطلوع من مغربها ، قال ابن مسعود وغيره عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فتطلع هي والقمر كالبعيرين القرينين ، ويقوي النظر أيضا أن الغرغرة هي الآية التي ترفع معها التوبة ، وقوله
أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً
يريد جميع أعمال البر فرضها ونفلها ، وهذا الفصل هو للعصاة المؤمنين كما قوله
لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ
هو للكفار ، والآية المشار إليها تقطع توبة الصنفين ، وقرأ أبو هريرة « أو كسبت في إيمانها صالحا » ، وقوله تعالى :
قُلِ انْتَظِرُوا
الآية تتضمن الوعيد أي فسترون من يحق كلامه ويتضح ما أخبر به . قوله تعالى :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 159 إلى 160 ]

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ ( 159 ) مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلاَّ مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 160 ) قال ابن عباس والصحاب وقتادة : المراد اليهود والنصارى أي فرقوا دين إبراهيم الحنيفية ، وأضيف الدين إليهم من حيث كان ينبغي أن يلتزموه ، إذ هو دين اللّه الذي ألزمه العباد ، فهو دين جميع الناس بهذا الوجه ووصفهم « بالشيع » إذ كل طائفة منهم لها فرق واختلافات ، ففي الآية حض لأمة محمد على الائتلاف وقلة الاختلاف ، وقال أبو الأحوص وأم سلمة زوج النبي صلى اللّه عليه وسلم : الآية في أهل البدع والأهواء والفتن ومن جرى مجراهم من أمة محمد ، أي فرقوا دين الإسلام ، وقرأ علي بن أبي طالب وحمزة والكسائي « فارقوا » . ومعناه تركوا ، ثم بيّن قوله
وَكانُوا شِيَعاً
أنهم فرقوه أيضا ، والشيع جمع شيعة وهي الفرقة على مقصد ما يتشايعون عليه ، وقوله
لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ
أي لا تشفع لهم ولا لهم بك تعلق ، وهذا على الإطلاق في الكفار وعلى جهة المبالغة في العصاة والمتنطعين في الشرع ، ولأنهم لهم حظ من تفريق الدين ، وقوله
إِنَّما أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ
إلى آخر الآية وعيد محض ، والقرينة المتقدمة تقتضي أن أمرهم إلى اللّه فيه وعيد ، كما أن القرينة في قوله
فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 367 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى