تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
جَعَلُوا
بمعنى صيروا ، و
الْجِنَّ
مفعول و
شُرَكاءَ
مفعول ثان مقدم ، ويصح أن يكون قوله
شُرَكاءَ
مفعولا أولا و
لِلَّهِ
في موضع المفعول الثاني و
الْجِنَّ
بدل من قوله
شُرَكاءَ
، وهذه الآية مشيرة إلى العادلين باللّه والقائلين إن الجن تعلم الغيب العابدين للجن ، وكانت طوائف من العرب تفعل ذلك وتستجير بجن الأودية في أسفارها ونحو هذا ، أما الذين « خرقوا البنين » فاليهود في ذكر عزير والنصارى في ذكر المسيح ، وأما ذاكرو البنات فالعرب الذين قالوا للملائكة بنات اللّه ، فكأن الضمير في
جَعَلُوا
و
خَرَقُوا
لجميع الكفار إذ فعل بعضهم هذا ، وبنحو هذا فسر السدي وابن زيد ، وقرأ شعيب بن أبي حمزة « شركاء الجنّ » بخفض النون ، وقرأ يزيد بن قطيب وأبو حيوة « الجن والجن » بالخفض والرفع على تقديرهم الجن ، وقرأ الجمهور « وخلقهم » بفتح اللام على معنى وهو خلقهم ، وفي مصحف عبد اللّه بن مسعود « وهو خلقهم » يحتمل العودة على الجاعلين ويحتملها على المجعولين ، وقرأ يحيى بن يعمر « وخلقهم » بسكون اللام عطفا على الجن أي جعلوا خلقهم الذي ينحتونه أصناما شركاء باللّه ، وقرأ السبعة سوى نافع « وخرقوا » بتخفيف للراء وهو بمعنى اختلفوا وافتروا وقرأ نافع « وخرّقوا » بتشديد الراء على المبالغة ، وقرأ ابن عمر وابن عباس رضي اللّه عنهما « وحرّفوا » من التحريف كذا قال أبو الفتح ، قال أبو عمرو الداني قرأ ابن عباس « حرفوا » خفيفة الراء ، وابن عمر « حرّفوا » مشددة الراء ، وقوله
بِغَيْرِ عِلْمٍ
نص على قبح تقحمهم المجهلة وافترائهم الباطل على عمى ،
سُبْحانَهُ
أي تنزه عن وصفهم الفاسد المستحيل عليه تبارك وتعالى و
بَدِيعُ
بمعنى : مبدع ومخترع وخالق ، فهو بناء اسم فاعل كما جاء : سميع بمعنى مسمع و
أَنَّى
بمعنى كيف ومن أين ، فهي استفهام في معنى التوقيف والتقرير ، وقرأ جمهور الناس « ولم تكن » بالتاء على تأنيث علامة الفعل ، وقرأ إبراهيم النخعي : بالياء على تذكيرها وتذكير كان وأخواتها مع تأنيث اسمها أسهل من ذلك في سائر الأفعال ، فقولك : كان في الدار هند أسوغ من قام في الدار هند ، وحسن القراءة الفصل بالظرف الذي هو الخبر ويتجه في القراءة المذكورة أن يكون في
تَكُنْ
ضمير اسم اللّه تعالى ، وتكون الجملة التي هي
لَهُ صاحِبَةٌ
خبر كان ، ويتجه أن يكون في « يكن » ضمير أمر وشأن وتكون الجملة بعد تفسيرا له وخبرا ، وهذه الآية رد على الكفار بقياس الغائب على الشاهد ، وقوله
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ
لفظ عام لكل ما يجوز أن يدخل تحته ولا يجوز أن يدخل تحته صفات اللّه تعالى وكلامه ، فليس هو عموما مخصصا على ما ذهب إليه قوم لأن العموم المخصص هو أن يتناول العموم شيئا ثم يخرجه التخصيص ، وهذا لم يتناول قط هذه التي ذكرناها ، وإنما هذا بمنزلة قول الإنسان : قتلت كل فارس وأفحمت كل خصم فلم يدخل القائل قط في هذا العموم الظاهر من لفظه ، وأما قوله
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
فهذا عموم على الإطلاق ولأن اللّه عزّ وجل يعلم كل شيء لا رب غيره ولا معبود سواه ، ولما تقررت الحجج وبانت الوحدانية جاء قوله تعالى :
ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ
الآية تتضمن تقريرا وحكما إخلاصا أمرا بالعبادة وإعلاما بأنه حفيظ رقيب على كل فعل وقول وفي هذا الإعلام تخويف وتحذير .