تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 326

مساهمون:

ص٣٢٦
« الإصباح » ب « فالق » كأنه أراد « فالق الإصباح » بتنوين القاف ، وهذه قراءة شاذة ، وإنما جوز سيبويه مثل هذا في الشعر وأنشد عليها : [ المتقارب ]
فألفيته غير مستعتب * ولا ذاكر اللّه إلّا قليلا
وحكى النحاس عن المبرد جواز ذلك في الكلام ، وقرأ أبو حيوة وإبراهيم النخعي ويحيى بن وثاب « فلق الإصباح » بفعل ماض ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر « وجاعل الليل » وقرأ عاصم وحمزة والكسائي « وجعل الليل » ، وهذا لما كان « فالق » بمعنى الماضي فكأن اللفظ « فلق الإصباح » وجعل ، ويؤيد ذلك نصب
الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ
، وقرأ الجمهور « سكنا » وروي عن يعقوب « ساكنا » قال أبو عمرو الداني ولا يصح ذلك عنه ، ونصبه بفعل مضمر إذا قرأنا « وجاعل » لأنه بمعنى المضي ، وتقدير الفعل المضمر وجاعل الليل يجعله سكنا ، وهذا مثل قولك هذا معطي زيد أمس درهما ، والذي حكاه أبو علي في هذا أن ينتصب بما في الكلام من معنى معطي . وقرأ أبو حيوة « والشمس والقمر » بالخفض عطفا على لفظ « الليل » و
حُسْباناً
جمع حساب كشهبان في جمع شهاب ، أي تجري بحساب ، هذا قول ابن عباس والسدي وقتادة ومجاهد ، وقال مجاهد في صحيح البخاري المراد حسبان كحسبان إلى حي وهو الدولاب والعود الذي عليه دورانه . قوله عزّ وجل :

[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 97 إلى 98 ]

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 97 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) هذه المخاطبة تعم المؤمنين والكافرين ، فالحجة بها على الكافرين قائمة والعبرة بها للمؤمنين ممكنة متعرضة ، و
جَعَلَ
هنا بمعنى خلق لدخولها على مفعول واحد ، وقد يمكن أن تكون بمعنى صير ويقدر المفعول الثاني في
لِتَهْتَدُوا
لأنه يقدر وهو الذي جعل لكم النجوم هداية ، و
فِي ظُلُماتِ
هي هاهنا على حقيقتها في ظلمة الليل بقرينة النجوم التي لا تكون إلا بالليل ، ويصح أن تكون « الظلمات » هاهنا الشدائد في المواضع التي يتفق أن يهتدى فيها الشمس ، وذكر اللّه تعالى النجوم في ثلاث منافع وهي قوله :
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ
[ الملك : 5 ] وقوله :
وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ
[ الملك : 5 ] وقوله :
وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ
فالواجب أن يعتقد أن ما عدا هذه الوجوه من قول أهل التأثير باطل واختلاق على اللّه وكفر به ، و
فَصَّلْنَا
معناه بينا وقسمنا و
الْآياتِ
الدلائل و
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
تخصيص لهم بالذكر وتنبيه منهم لتحصلهم الآية المفصلة المنصوبة ، وغيرهم تمر عليهم الآيات وهم معرضون عنها ، وقوله :
وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
الآية ، الإنشاء فعل الشيء ، و
مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ
يريد آدم عليه السلام ، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي « فمستقر » بفتح القاف على أنه موضع استقرار ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « فمستقر » بكسر القاف على أنه اسم فاعل ، وأجمعوا على فتح الدال من « مستودع » بأن يقدر موضع
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 326 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى