وظاهرها ، و « البصائر » جمع بصيرة وهي ما يتفق عن تحصيل العقل للأشياء المنظور فيها ، بالاعتبار ، فكأنه قال قد جاءكم في القرآن والآيات طرائق إبصار الحق والمعينة عليه ، والبصيرة للقلب مستعارة من إبصار العين ، والبصيرة أيضا هي المعتقد المحصل في قول الشاعر [ الأسعر الجعفي ] : [ الكامل ]
راحوا بصائرهم على أكتافهم * وبصيرتي يعدو بها عتد وأي
وقال بعض الناس في هذا البيت البصيرة طريقة الدم ، والشاعر إنما يصف جماعة مشوا به في طلب دم ففتروا فجعلوا الأمر وراء ظهورهم ، وقوله تعالى :
فَمَنْ أَبْصَرَ
و
مَنْ عَمِيَ
عبارة مستعارة فيمن اهتدى ومن ضل ، وقوله
وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
كان في أول الأمر وقبل ظهور الإسلام ثم بعد ذلك كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حفيظا على العالم آخذا لهم بالإسلام والسيف ، وقوله تعالى :
وَكَذلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ
الآية ، الكاف في قوله
وَكَذلِكَ
في موضع نصب ب
نُصَرِّفُ
أي ومثل ما بينا البصائر وغير ذلك نصرف الآيات أي نرددها ونوضحها وقرأت طائفة « وليقولوا درست » بسكون اللام على جهة الأمر ويتضمن التوبيخ والوعيد . وقرأ الجمهور « وليقولوا » بكسر اللام على أنها لام كي وهي على هذا لام الصيرورة كقوله
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً
[ القصص : 8 ] إلى ذلك ، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي « درست » أي يا محمد درست في الكتب القديمة ما تجيبنا به ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو « دارست » أي أنت يا محمد دارست غيرك في هذه الأشياء أي قارأته وناظرته ، وهذا إشارة منهم إلى سلمان وغيره من الأعاجم واليهود ، وقرأ ابن عامر وجماعة من غير السبعة « درست » بإسناد الفعل إلى الآيات كأنهم أشاروا إلى أنها ترددت على أسماعهم حتى بليت في نفوسهم وامحت ، قال أبو علي واللام في
لِيَقُولُوا
على هذه القراءة بمعنى لئلا يقولوا أي صرفت الآيات وأحكمت لئلا يقولوا هذه الأساطير قديمة قد بليت وتكررت على الأسماع ، واللام على سائر القراءات لام الصيرورة ، وقرأت فرقة « دارست » كأنهم أرادوا دراستك يا محمد أي الجماعة المشار إليها قبل من سلمان واليهود وغيرهم ، وقرأت فرقة « درست » بضم الراء وكأنها في معنى درست أي بليت ، وقرأ قتادة « درست » بضم الدال وكسر الراء وهي قراءة ابن عباس بخلاف عنه ورويت عن الحسن ، قال أبو الفتح في « درست » ضمير الآيات ، ويحتمل أن يراد عفيت وتنوسيت ، وقرأ أبي بن كعب « درس » وهي في مصحف عبد اللّه ، قال المهدوي وفي بعض مصاحف عبد اللّه أيضا « درس » ، ورويت عن الحسن ، وقرأت فرقة « درّس » بتشديد الراء على المبالغة في درس ، وهذه الثلاثة الأخيرة مخالفة لخط المصحف ، واللام في قوله و
لِيَقُولُوا
وفي قوله
وَلِنُبَيِّنَهُ
متعلقان بفعل متأخر تقديره صرفناها ، وقرأ أبي بن كعب وابن مسعود « ولتبينه » بالتاء على مخاطبة النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وقرأه فرقة « وليبينه » بياء أي اللّه تعالى ، وذهب بعض الكوفيين إلى أن لا مضمرة بعد أن المقدرة في قوله
وَلِيَقُولُوا
فتقدير الكلام عندهم وأن لا يقولوا كما أضمروها في قوله
يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا
[ النساء : 176 ] .
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وهذا قلق ولا يجيز البصريون إضمار لا في موضع من المواضع .