ذلك ، ويكون المقصد لقد تقطعت المسافة بينكم لطولها فعبر عن ذلك « بالبين » الذي هو الفرقة ، وأما وجه قراءة النصب فإن يكون ظرفا ويكون الفعل مستندا إلى شيء محذوف وتقديره لقد تقطع الاتصال أو الارتباط بينكم أو نحو هذا .
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وهذا وجه واضح وعليه فسره الناس : مجاهد والسدي وغيرهما ، وجه آخر يراه أبو الحسن الأخفش وهو أن يكون الفعل مسندا إلى الظرف ويبقى الظرف على حال نصبه وهو في النية مرفوع ، ومثل هذا عنده قوله :
وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ
[ الجن : 11 ] وقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش « تقطع ما بينكم » بزيادة ما و
ضَلَّ
معناه تلف وذهب ، و
ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ
يريد دعواهم أنها تشفع وتشارك اللّه في الألوهية .
قوله عزّ وجل :
[ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 95 إلى 96 ]
إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 )
هذا ابتداء تنبيه على العبرة والنظر ، ويتصل المعنى بما قبله لأن القصد أن اللّه لا هذه الأصنام ، وقال مجاهد وأبو مالك هذه إشارة إلى الشق الذي في حبة البر ونواة التمر .
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : والعبرة على هذا القول مخصوصة في بعض الحب وبعض النوى ، وليس لذلك وجه ، وقال الضحاك وقتادة والسدي وغيرهما هذه إشارة إلى فعل اللّه في أن يشق جميع الحب عن جميع النبات الذي يكون منه ويشق النوى عن جميع الأشجار الكائنة عنه .
قال القاضي أبو محمد رضي اللّه عنه : وهذا هو الظاهر الذي يعطي العبرة التامة ، فسبحان الخلاق العليم ، وقال الضحاك :
فالِقُ
بمعنى خالق ، وقال السدي وأبو مالك :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ
إشارة إلى إخراج النبات الأخضر والشجر الأخضر من الحب اليابس والنوى اليابس ، فكأنه جعل الخضرة والنضارة حياة واليبس موتا و
مُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ
إشارة إلى إخراج اليابس من النبات والشجر ، وقال ابن عباس وغيره ، بل ذلك كله إشارة إلى إخراج الإنسان الحي من النطفة الميتة وإخراج النطفة الميتة من الإنسان الحي ، وكذلك سائر الحيوان والطير من البيض والحوت وجميع الحيوان .
قال القاضي أبو محمد : وهذا القول أرجح وإنما تعلق قائلوا القول الأول بتناسب تأويلهم مع قوله :
فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى
وهما على هذا التأويل الراجح معنيان متباينان فيهما معتبر ، وقال الحسن : المعنى يخرج المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن ، وقوله :
ذلِكُمُ اللَّهُ
ابتداء وخبر متضمن التنبيه ،
فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ
أي تصرفون وتصدون و
فالِقُ الْإِصْباحِ
أي شاقه ومظهره ، والفلق الصبح ، وقرأ الجمهور « فالق الإصباح » بكسر الهمزة ، وقرأ الحسن بن أبي الحسن وعيسى بن عمر وأبو رجاء « فالق الأصباح » بفتح الهمزة جمع صبح ، وقرأت فرقة « فالق الإصباح » بحذف التنوين « فالق » لالتقاء الساكنين ، ونصب