« يصالحا » من تفاعل وعرف تفاعل أنه لا يتعدى ، فوجهه أن تفاعل قد جاء متعديا في نحو قول ذي الرمة :
ومن جردة غفل بساط تحاسنت * بها الوشي قرّات الرياح وخورها
ويجوز أن يكون الصلح مصدرا حذفت زوائده ، كما قال : « وإن تهلك فذلك كان قدري » أي تقديري .
قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : هذا كلام أبي علي على أن القدر مصدر جار على أن قدرت الأمر بالتخفيف بمعنى قدرت بالتشديد ، وقوله تعالى
وَالصُّلْحُ خَيْرٌ
لفظ عام مطلق بمقتضى أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير على الإطلاق ، ويندرج تحت هذا العموم أن صلح الزوجين على ما ذكرنا خير من الفرقة . وقوله تعالى
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ
معذرة عن عبيده تعالى أي لا بد للإنسان بحكم خلقته وجبلته من أن يشح على إرادته حتى يحمل صاحبه على بعض ما يكره . وخصص المفسرون هذه اللفظة هنا فقال ابن جبير : هو شح المرأة بالنفقة من زوجها وبقسمه لها أيامها ، وقال ابن زيد : الشح هنا منه ومنها .
قال القاضي أبو محمد - رحمه اللّه - : وهذا حسن ، و
الشُّحَّ
: الضبط على المعتقدات والإرادات والهمم والأموال ونحو ذلك ، فما أفرط منها ففيه بعض المذمة ، وهو الذي قال تعالى فيه
وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ *
[ الحشر : 9 ] وما صار إلى حيز منع الحقوق الشرعية أو التي تقتضيها المروءة فهو البخل ، وهي رذيلة لكنها قد تكون في المؤمن ، ومنه الحديث « قيل يا رسول اللّه أيكون المؤمن بخيلا ؟ قال نعم » . وأما
الشُّحَّ
ففي كل أحد ، وينبغي أن يكون ، لكن لا يفرط إلا على الدين ، ويدلك على أن الشح في كل أحد قوله تعالى :
وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ
وقوله
شُحَّ نَفْسِهِ *
فقد أثبت أن لكل نفس شحا ، وقول النبي صلى اللّه عليه وسلم « أن تصدق وأنت صحيح شحيح » وهذا لم يرد به واحدا بعينه ، وليس يجمل أن يقال هنا : أن تصدق وأنت صحيح بخيل ، وقوله تعالى :
وَإِنْ تُحْسِنُوا
ندب إلى الإحسان في تحسين العشرة وحمل خلق الزوجة والصبر على ما يكره من حالها . وتمكن الندب إلى الإحسان من حيث للزوج أن يشح فلا يحسن
وَتَتَّقُوا
معناه : تتقوا اللّه في وصيته بالنساء ، إذ هن عوان عند الأزواج حسبما فسره النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله « استوصوا بالنساء خيرا فإنهن عوان عندكم » .
وقوله تعالى
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ
الآية . معناه : العدل التام على الإطلاق المستوي في الأفعال والأقوال والمحبة والجماع وغير ذلك ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقسم بين نسائه ثم يقول : « اللهم هذا فعلي فيما أملك ، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك » يعني ميله بقلبه ، وكان عمر ابن الخطاب يقول : اللهم قلبي فلا أملكه ، وأما ما سوى ذلك فأرجو أن أعدل . وروي أن هذه الآية نزلت في النبي صلى اللّه عليه وسلم وميله بقلبه إلى عائشة ، فوصف اللّه تعالى حالة البشر ، وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض الأزواج دون بعض ، ونشاطهم إليهن وبشرهم معهن ، ثم نهى عن « الميل كل الميل » ، وهو أن يفعل فعلا يقصده من التفضيل وهو يقدر أن لا يفعله ، فهذا هو
كُلَّ الْمَيْلِ
، وإن كان في أمر حقير ، فكأن الكلام
فَلا تَمِيلُوا
النوع الذي هو كل الميل وهو المقصود من قول أو فعل ،