تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
في المواريث وغير ذلك ، فأمر اللّه نبيه أن يقول لهم
اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ
أي يبين لكم حكم ما سألتم عنه . وقوله تعالى
وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ
يحتمل
ما
أن تكون في موضع خفض عطفا على الضمير في قوله
فِيهِنَّ
، أي : « ويفتيكم فيما يتلى عليكم » ، قاله محمد بن أبي موسى ، وقال : أفتاهم اللّه فيما سألوا عنه وفيما لم يسألوا عنه ، ويضعف هذا التأويل ما فيه من العطف على الضمير المخفوض بغير إعادة حرف الخفض ، ويحتمل أن تكون
ما
في موضع رفع عطفا على اسم اللّه عزّ وجل ، أي و « يفتيكم ما يتلى عليكم في الكتاب » ، يعني القرآن ، والإشارة بهذا إلى ما تقدم من الآيات في أمر النساء ، وهو قوله تعالى في صدر السورة
وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
[ النساء : 3 ] . قالت عائشة : نزلت هذه الآية أولا ، ثم سأل ناس بعدها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن أمر النساء فنزلت :
وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ ، قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ
وقوله تعالى
فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ
معناه : النهي عما كانت العرب تفعله من ضم اليتيمة الجميلة الغنية بدون ما تستحقه من المهر ، ومن عضل الدميمة الفقيرة أبدا ، والدميمة الغنية حتى تموت فيرثها العاضل ، ونحو هذا مما يقصد به الولي منفعة نفسه لا نفع اليتيمة ، والذي كتب اللّه لهن هو توفية ما تستحقه من مهر ، وإلحاقها بأقرانها ، وقرأ أبو عبد اللّه المدني - « في ييامى النساء » بياءين ، قال أبو الفتح : والقول في هذه القراءة أنه أراد أيامى فقلبت الهمزة ياء ، كما قلبت في قولهم : باهلة بن يعصر ، وإنما هو ابن أعصر لأنه إنما يسمى بقوله : [ الكامل ] .
أبنيّ إن أباك غيّر لونه * كرّ الليالي واختلاف الأعصر
وكما قلبت الياء همزة في قولهم : قطع اللّه أده ، يريدون يده ، وأيامى : جمع أيم أصله : أيايم ، قلبت اللام موضع العين ، فجاء أيامى ، ثم أبدلت من الكسرة فتحة ومن الياء ألف . قال القاضي أبو محمد رحمه اللّه : يشبه أن الداعي إلى هذا استثقال الضمة على الياء ، قال أبو الفتح : ولو قال قائل كسر أيم على أيمى على وزن سكرى وقتلى من حيث الأيومة بلية تدخل كرها ، ثم كسر أيمى على أيامى لكان وجها حسنا ، وقوله تعالى
وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ
إن كانت الجارية غنية جميلة فالرغبة في نكاحها ، وإن كانت بالعكس فالرغبة عن نكاحها ، وكان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يأخذ الناس بالدرجة الفضلى في هذا المعنى ، فكان إذا سأل الولي عن وليته فقيل : هي غنية جميلة ، قال له : أطلب لها من هو خير منك وأعود عليها بالنفع ، وإذا قيل له : هي دميمة فقيرة ، قال له : أنت أولى بها وبالستر عليها من غيرك ، وقوله تعالى
وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ
عطف على
يَتامَى النِّساءِ
، والذي تلي في
الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ
هو قوله تعالى :
يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ
[ النساء : 11 ] ، وذلك : أن العرب كانت لا تورث الصبية ولا الصبي الصغير ، وكان الكبير ينفرد بالمال ، وكانوا يقولون : إنما يرث المال من يحمي الحوزة ، ويرد الغنيمة ، ويقاتل عن الحريم ، ففرض اللّه لكل أحد حقه ، وقوله تعالى :
وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ
عطف أيضا على ما تقدم ، والذي تلي في هذا المعنى هو قوله تعالى :
وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ
[ النساء : 2 ] إلى غير ذلك مما ذكر في مال اليتيم ، والقسط العدل ، وباقي الآية وعد على فعل الخير بالجزاء الجميل ، بيّن .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 118 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى