تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
ب
الْأَقْرَبِينَ
إذ هم مظنة المودة والتعصب ، فجاء الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه ، وهذه الآية إنما تضمنت الشهادة على القرابة ، فلا معنى للتفقه منها في الشهادة لهم كما فعل بعض المفسرين ولا خلاف بين أهل العلم في صحة أحكام هذه الآية ، وقوله تعالى :
إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما
معناه : إن يكن المشهود عليه غنيا فلا يراعى لغناه ، ولا يخاف منه ، وإن يكن فقيرا فلا يراعى إشفاقا عليه فإن اللّه تعالى أولى بالنوعين وأهل الحالين ، والغني والفقير اسما جنس والمشهود عليه كذلك ، فلذلك ثنى الضمير في قوله
بِهِما
، وفي قراءة أبيّ بن كعب « فاللّه أولى بهم » على الجمع ، وقال الطبري : ثنى الضمير لأن المعنى فاللّه أولى بهذين المعنيين ، غنى الغني وفقر الفقير ، أي : وهو انظر فيهما ، وقد حد حدودا وجعل لكل ذي حق حقه ، وقال قوم
أَوِ
بمعنى الواو ، وفي هذا ضعف . وذكر السدي : أن هذه الآية نزلت في النبي صلى اللّه عليه وسلم ، اختصم إليه غني وفقير ، فكان في ضلع الفقير علما منه أن الغني أحرى أن يظلم الفقير ، فأبى اللّه إلا أن يقوم بالقسط بين الغني والفقير . قال القاضي أبو محمد عبد الحق : وارتبط هذا الأمر على ما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « فأقضي له على نحو ما أسمع » ، أما أنه قد أبيح للحاكم أن يكون في ضلع الضعيف ، بأن يقيد له المقالات ويشد على عضده ، ويقول له : قل حجتك مدلا ، وينبهه تنبيها لا يفت في عضد الآخر ، ولا يكون تعليم خصام ، هكذا هي الرواية عن أشهب وغيره . وذكر الطبري : أن هذه الآية هي بسبب نازلة طعمة بن أبيرق ، وقيام من قام في أمره بغير القسط ، وقوله تعالى :
فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى
نهي بيّن ، واتباع الهوى مرد مهلك ، وقوله تعالى :
أَنْ تَعْدِلُوا
يحتمل أن يكون معناه مخافة أن تعدلوا ، ويكون العدل هنا بمعنى العدول عن الحق ، ويحتمل أن يكون معناه محبة أن تعدلوا ، ويكون العدل بمعنى القسط ، كأنه قال : انتهوا خوف أن تجوروا أو محبة أن تقسطوا ، فإن جعلت العامل
تَتَّبِعُوا
فيحتمل أن يكون المعنى محبة أن تجوروا ، وقوله تعالى :
وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا
قال ابن عباس : هو في الخصمين يجلسان بين يدي القاضي فيكون ليّ القاضي وإعراضه لأحدهما على الآخر ، فالليّ على هذا مطل الكلام وجره حتى يفوت فصل القضاء وإنفاذه للذي يميل القاضي عليه ، وقد شاهدت بعض القضاة يفعلون ذلك ، واللّه حسيب الكل ، وقال ابن عباس أيضا ، ومجاهد ، وقتادة والسدي وابن زيد وغيرهم : هي في الشاهد يلوي الشهادة بلسانه ويحرفها ، فلا يقول الحق فيها ، أو يعرض عن أداء الحق فيها . قال القاضي أبو محمد - رحمه اللّه - : ولفظ الآية يعم القضاء والشهادة والتوسط بين الناس ، وكل إنسان مأخوذ بأن يعدل ، والخصوم مطلوبون بعدل ما في القضاة فتأمله ، وقرأ جمهور الناس « تلووا » بواوين من لوى يلوي على حسب ما فسرناه ، وقرأ حمزة وابن عامر وجماعة في الشاذ « وأن تلو » بضم اللام وواو واحدة ، وذلك يحتمل أن يكون أصله « تلئوا » على القراءة الأولى ، همزت الواو المضمومة كما همزت في أدؤر ، وألقيت حركتها على اللام التي هي فاء « لوى » ثم حذفت لاجتماع ساكنين ، ويحتمل أن تكون « تلوا » من قولك ولي الرجل الأمر ، فيكون في الطرف الآخر من
تُعْرِضُوا
كأنه قال تعالى للشهود