تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
قوله تعالى :

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 128 إلى 129 ]

وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً ( 128 ) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 129 ) هذه الآية حكم من اللّه تعالى في أمر المرأة التي تكون ذات سن ودمامة ، أو نحو ذلك مما يرغب زوجها عنها ، فيذهب الزوج إلى طلاقها ، أو إلى إيثار شابة عليها ، ونحو هذا مما يقصد به صلاح نفسه ولا يضرها هي ضررا يلزمه إياها ، بل يعرض عليها الفرقة أو الصبر على الأثرة ، فتزيد هي بقاء العصمة ، فهذه التي أباح اللّه تعالى بينهما الصلح ، ورفع الجناح فيه ، إذ الجناح في كل صلح يكون عن ضرر من الزوج يفعله حتى تعالجه ، وأباح اللّه تعالى الصلح مع الخوف وظهور علامات النشوز أو الإعراض ، وهو مع وقوعها مباح أيضا ، و « النشوز » : الارتفاع بالنفس عن رتبة حسن العشرة ، و « الإعراض » : أخف من النشوز ، وأنواع الصلح كلها مباحة في هذه النازلة ، أن يعطي الزوج على أن تصبر هي ، أو تعطي هي على أن لا يؤثر الزوج ، أو على أن يؤثر ويتمسك بالعصمة ، أو يقع الصلح على الصبر على الأثرة ، فهذا كله مباح ، واختلف المفسرون في سبب الآية ، فقال ابن عباس وجماعة معه : نزلت في النبي صلى اللّه عليه وسلم وسودة بنت زمعة ، حدث الطبري بسند عن ابن عباس قال : خشيت سودة أن يطلقها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : لا تطلقني واحبسني مع نسائك ، ولا تقسم لي ، ففعل فنزلت
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً
الآية ، وفي المصنفات أن سودة لما كبرت وهبت يومها لعائشة وهذا نحو الأول ، وقال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعبيدة السلماني وغيرهم : نزلت الآية بسبب رافع بن خديج وخولة بنت محمد بن مسلمة ، وذلك أنه خلا من سنها فتزوج عليها شابة ، فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها طلقة ثم تراجعا ، فعاد فآثر الشابة فلم تصبر هي فطلقها أخرى ، فلما بقي من العدة يسير قال لها : إن شئت راجعتك وصبرت على الأثرة ، وإن شئت تركتك حتى يخلو أجلك ، قالت : بل راجعني وأصبر ، فراجعها فآثر الشابة فلم تصبر ، فقال : إنما هي واحدة ، فإما أن تقري على ما ترين من الإثرة ، وإلا طلقتك ، فقرت فهذا هو الصلح الذي أنزل اللّه فيه
وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ
الآية ، وقال مجاهد : نزلت الآية بسبب أبي السنابل ابن بعكك وامرأته ، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر « يصّالحا » بفتح الياء وشد الصاد وألف بعدها ، وأصلها يتصالحا ، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم « يصلحا » بضم الياء وسكون الصاد دون ألف ، وقرأ عبيدة السلماني « يصالحا » بضم الياء من المفاعلة ، وقرأ الجحدري وعثمان البتي « يصلحا » بفتح الياء وشد الصاد أصلها يصطلحا ، قال أبو الفتح : أبدل الطاء صادا ثم أدغم فيها الصاد التي هي فاء فصارت « يصلحا » ، وقرأ الأعمش « إن اصالحا » ، وكذلك هي في قراءة ابن مسعود ، وقوله
صُلْحاً
ليس الصلح مصدرا على واحد من هذه الأفعال التي قرئ بها ، فالذي يحتمل أن يكون اسما كالعطاء مع أعطيت والكرامة مع أكرمت ، فمن قرأ « يصلحا » كان تعديه إلى الصلح كتعديه إلى الأسماء ، كما تقول : أصلحت ثوبا ، ومن قرأ
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 119 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى