عسى أن يعمل من خير ، وليس ينتظر في الآخرة ثوابا ، فهذه جنته ، وهذا القول عندي كالتفسير والشرح للأول .
قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 199 إلى 200 ]
وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ ( 199 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 200 )
اختلف المتأولون فيمن عنى بهذه الآية ، فقال جابر بن عبد اللّه وابن جريج وقتادة وغيرهم : نزلت بسبب أصحمة النجاشي سلطان الحبشة ، وذلك أنه كان مؤمنا باللّه وبمحمد صلى اللّه عليه وسلم ، فلما مات عرف بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك اليوم ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه : اخرجوا فصلوا على أخ لكم ، فصلى عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالناس ، فكبر أربعا ، وفي بعض الحديث : أنه كشف لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن نعشه في الساعة التي قرب منها للدفن ، فكان يراه من موضعه بالمدينة ، فلما صلى عليه النبي صلى اللّه عليه وسلم قال المنافقون : انظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني لم يره قط ، فنزلت هذه الآية ، وكان أصحمة النجاشي نصرانيا ، وأصحمة تفسيره بالعربية عطية ، قاله سفيان بن عيينة وغيره ، وروي أن المنافقين قالوا بعد ذلك : فإنه لم يصل القبلة فنزلت
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
[ البقرة : 115 ] وقال قوم : نزلت في عبد اللّه بن سلام ، وقال ابن زيد ومجاهد : نزلت في جميع من آمن من أهل الكتاب ، و
خاشِعِينَ
حال من الضمير في
يُؤْمِنُ
، ورد
خاشِعِينَ
على المعنى في « من » لأنه جمع لا على لفظ « من » لأنه إفراد ، وقوله تعالى :
لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا
مدح لهم وذم لسائر كفار أهل الكتاب لتبديلهم وإيثارهم كسب الدنيا الذي هو ثمن قليل على آخرتهم وعلى آيات اللّه تعالى ، وقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
قيل معناه : سريع إتيان بيوم القيامة ، وهو يوم الحساب ، فالحساب إذا سريع إذ كل آت قريب ، وقال قوم :
سَرِيعُ الْحِسابِ
أي إحصاء أعمال العباد وأجورهم وآثامهم ، إذ ذلك كله في عمله لا يحتاج فيه إلى عد وروية ونظر كما يحتاج البشر .
ثم ختم اللّه تعالى السورة بهذه الوصاة التي جمعت الظهور في الدنيا على الأعداء ، والفوز بنعيم الآخرة ، فحض على الصبر على الطاعات وعن الشهوات ، وأمر بالمصابرة فقيل : معناه مصابرة الأعداء ، قاله زيد بن أسلم ، وقيل معناه : مصابرة وعد اللّه في النصر ، قاله محمد بن كعب القرظي : أي لا تسأموا وانتظروا الفرج ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : انتظار الفرج بالصبر عبادة ، وكذلك اختلف المتأولون في معنى قوله
وَرابِطُوا
فقال جمهور الأمة معناه : رابطوا أعداءكم الخيل ، أي ارتبطوها كما