تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
باقيهم فتشبه الآية قوله تعالى :
فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ
[ آل عمران : 146 ] على تأويل من رأى أن القتل وقع بالربيين ، وقرأ عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه : و « قتلوا » بفتح القاف والتاء من غير ألف ، و « قتلوا » بضم القاف وكسر التاء خفيفة ، وهي قراءة حسنة المعنى مستوفية للفضلين على الترتيب المتعارف ، وقرأ محارب بن دثار : « وقتلوا » بفتح القاف « وقاتلوا » ، وقرأ طلحة بن مصرف : « وقتّلوا » بضم القاف وشد التاء « وقاتلوا » وهذه يدخلها إما رفض رتبة الواو ، وإما أنه قاتل من بقي ، واللام في قوله :
لَأُكَفِّرَنَّ
لام القسم و
ثَواباً
مصدر مؤكد مثل قوله :
صُنْعَ اللَّهِ
[ النمل : 88 ] و
كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ
[ النساء : 24 ] وباقي الآية بين . قوله تعالى :

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 196 إلى 198 ]

لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ ( 196 ) مَتاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 197 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ ( 198 ) نزلت
لا يَغُرَّنَّكَ
في هذه الآية ، منزلة : لا تظن أن حال الكفار حسنة فتهتم لذلك ، وذلك أن المغتر فارح بالشيء الذي يغتر به ، فالكفار مغترون بتقلبهم والمؤمنون مهتمون به ، لكنه ربما يقع في نفس مؤمن أن هذا الإملاء للكفار إنما هو لخير لهم ، فيجيء هذا جنوحا إلى حالهم ونوعا من الاغترار فلذلك حسنت
لا يَغُرَّنَّكَ
ونظيره قول عمر لحفصة : لا يغرنك إن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، المعنى : لا تغتري بما يتم لتلك من الإدلال فتقعي فيه فيطلقك النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والخطاب للنبي عليه السلام ، والمراد أمته وللكفار في ذلك حظ ، أي لا يغرنكم تقلبهم ، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب : « لا يغرنك » بسكون النون خفيفة ، وكذلك « لا يصدنك ولا يصدنكم ولا يغرنكم » - وشبهه ، و « التقلب » : التصرف في التجارات والأرباح والحروب وسائر الأعمال ، ثم أخبر تعالى عن قلة ذلك المتاع ، لأنه منقض صائر إلى ذل وقل وعذاب . وقرأ أبو جعفر بن القعقاع : « لكنّ الذين » ، بشد النون ، وعلى أن
الَّذِينَ
في موضع نصب اسما ل « لكنّ » ، و
نُزُلًا
: معناه تكرمة ، ونصبه على المصدر المؤكد ، وقرأ الحسن : « نزلا » ساكنة الزاي ، وقوله تعالى :
وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ
يحتمل أن يريد : خير مما هؤلاء فيه من التقلب والتنعم ، ويحتمل أن يريد : خير مما هم فيه في الدنيا ، وإلى هذا ذهب ابن مسعود فإنه قال : ما من مؤمن ولا كافر إلا والموت خير له ، أما الكافر فلئلا يزداد إثما ، وأما المؤمن فلأن ما عند اللّه خير للأبرار . قال أبو محمد : وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، فقال القاضي ابن الطيب : هذا هو بالإضافة إلى ما يصير إليه كل واحد منهما في الآخرة ، فالدنيا على المؤمن المنعم سجن بالإضافة إلى الجنة ، والدنيا للكافر الفقير المضيق عليه في حاله وصحته جنة بالإضافة إلى جهنم ، وقيل : المعنى أنها سجن المؤمن لأنها موضع تبعه في الطاعات وصومه وقيامه ، فهو فيها كالمعنت المنكل ، وينتظر الثواب في الأخرى التي هي جنته ، والدنيا جنة الكافر ، لأنها موضع ثوابه على ما