افتضح ، وخزاية إذا استحيى ، الفعل واحد والمصدر مختلف ، وقال أنس بن مالك والحسن بن أبي الحسن وابن جريج وغيرهم : هذه إشارة إلى من يخلد في النار ، ومن يخرج منها بالشفاعة والإيمان فليس بمخزي ، وقال جابر بن عبد اللّه وغيره : كل من دخل النار فهو مخزي وإن خرج منها ، وإن في دون ذلك لخزيا .
قال القاضي : أما إنه خزي دون خزي وليس خزي من يخرج منها بفضيحة هادمة لقدره ، وإنما الخزي التام للكفار وقوله تعالى :
وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ
هو من قول الداعين ، وبذلك يتسق وصف الآية .
قوله تعالى :
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 193 إلى 194 ]
رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئاتِنا وَتَوَفَّنا مَعَ الْأَبْرارِ ( 193 ) رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 194 )
هذه الآيات حكاية عن أولي الألباب أنهم يقولون :
رَبَّنا
قال أبو الدرداء : يرحم اللّه المؤمنين ما زالوا يقولون : « ربنا ربنا » حتى استجيب لهم ، واختلف المتأولون في المنادي ، فقال ابن جريج وابن زيد وغيرهما : المنادى محمد صلى اللّه عليه وسلم ، وقال محمد بن كعب القرظي : المنادي كتاب اللّه وليس كلهم رأى النبي صلى اللّه عليه وسلم وسمعه ، ولما كانت
يُنادِي
بمنزلة يدعو ، حسن وصولها باللام بمعنى « إلى الإيمان » ، وقوله :
أَنْ آمِنُوا
« أن » مفسرة لا موضع لها من الإعراب ، وغفران الذنوب وتكفير السيئات أمر قريب بعضه من بعض ، لكنه كرر للتأكيد ولأنها مناح من الستر ، وإزالة حكم الذنب بعد حصوله ، و
الْأَبْرارِ
جمع بر ، أصله برر على وزن فعل ، أدغمت الراء في الراء ، وقيل : هو جمع بار كصاحب وأصحاب ، والمعنى : توفنا معهم في كل أحكامهم وأفعالهم .
وقوله :
رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ
معناه : على ألسنة رسلك ، وقرأ الأعمش « رسلك » بسكون السين ، وطلبوا من اللّه تعالى إنجاز الوعد ، وهو تعالى من لا يجوز عليه خلفه من حيث في طلبه الرغبة أن يكونوا ممن يستحقه ، فالطلبة والتخوف إنما هو في جهتهم لا في جهة اللّه تعالى لأن هذا الدعاء إنما هو في الدنيا ، فمعنى قول المرء : اللهم أنجز لي وعدك ، إنما معناه : اجعلني ممن يستحق إنجاز الوعد ، وقيل : معنى دعائهم الاستعجال مع ثقتهم بأن الوعد منجز ، وقال الطبري وغيره : معنى الآية ما وعدتنا على ألسنة رسلك من النصر على الأعداء فكأن الدعوة إنما هي في حكم الدنيا ، وقولهم :
وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ
، إشارة إلى قوله تعالى :
يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
[ التحريم : 8 ] فهذا وعده تعالى وهو دال على أن الخزي إنما هو مع الخلود .
قوله تعالى :