تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 553

مساهمون:

ص٥٥٣
للمسلمين وتمادوا على كفرهم ، فنزلت الآية فيهم وقرأ جمهور الناس : « أتوا » بمعنى فعلوا ، كما تقول أتيت أمر كذا ، وقرأ مروان بن الحكم وإبراهيم النخعي : « آتوا » بالمد ، بمعنى أعطوا بفتح الهمزة والطاء . قال أبو محمد : وهي قراءة تستقيم على بعض المعاني التي تقدمت ، وقرأ سعيد بن جبير وأبو عبد الرحمن السلمي ، « أوتوا » بمعنى أعطوا ، وقد تقدمت مع معناها وقرأ أبو عمرو وابن كثير ، لا يحسبن الذين يفرحون « فلا يحسبنهم » بالياء من تحت فيهما وبكسر السين وبرفع الباء في يحسبنهم ، قال أبو علي :
الَّذِينَ
رفع بأنه فاعل « يحسب » ، ولم تقع « يحسبن » على شيء ، وقد تجيء هذه الأفعال لغوا لا في حكم الجمل المفيدة نحو قول الشاعر : [ الطويل ]
وما خلت أبقى بيننا من مودة * عراض المذاكي المسنفات القلائصا
وقال الخليل : العرب تقول : ما رأيته يقول ذلك إلا زيد ، وما ظننته يقول ذلك إلا زيد فتتجه القراءة بكون قوله : « فلا تحسبنهم » بدلا من الأول وقد عدي إلى مفعوليه وهما الضمير ، وقوله
بِمَفازَةٍ
فاستغني بذلك عن تعدية الأول إليها كما استغني في قول الشاعر : [ الطويل ]
بأيّ كتاب أو بأيّة سنّة * ترى حبّهم عارا عليّ وتحسب ؟
فاستغني بتعدية أحد الفعلين عن تعدية الآخر ، والفاء في قوله
فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ
زائدة ، ولذلك حسن البدل ، إذ لا يتمكن أن تكون فاء عطف ولا فاء جزاء ، فلم يبق إلا أن تكون زائدة لا يقبح وجودها بين البدل والمبدل منه ، وقوله على هذه القراءة « فلا يحسبنهم » ، فيه تعدي فعل الفاعل إلى ضمير نفسه ، نحو ظننتني أخاه ، ورأيتني الليلة عند الكعبة ، ووجدتني رجعت من الإصغاء ، وذلك أن هذه الأفعال وما كان في معناها لما كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت « أن » وأخواتها ، فكما تقول : إني ذاهب ، فكذلك تقول : ظننتني ذاهبا ، ولو قلت : أظن نفسي أفعل كذا لم يحسن ، كما يحسن : أظنني فاعلا ، قرأ نافع وابن عامر : « لا يحسبن الذين » بالياء من تحت وفتح الباء ، وكسر نافع السين ، وفتحها ابن عامر « فلا تحسبنهم » بالتاء من فوق ، وفتح الباء ، والمفعولان اللذان يقتضيهما قوله « لا يحسبن الذين » محذوفان لدلالة ما ذكر بعده ، والكلام في ذلك كما تقدم في قراءة ابن كثير ، إلا أنه لا يجوز في هذا البدل الذي ذكره في قراءة ابن كثير وأبي عمرو لاختلاف الفعلين واختلاف فعليهما ، وقرأ حمزة « لا تحسبن » بالتاء من فوق وكسر السين « فلا تحسبنهم » بالتاء من فوق وكسر السين وفتح الباء ف
الَّذِينَ
على هذه القراءة مفعول أول « لتحسبن » ، والمفعول الثاني محذوف لدلالة ما يجيء بعد عليه ، كما قيل آنفا في المفعولين ، وحسن تكرار الفعل في قوله « فلا تحسبنهم » لطول الكلام ، وهي عادة العرب وذلك تقريب لذهن المخاطب ، وقرأ الضحاك بن مزاحم « فلا تحسبنهم » بالتاء من فوق وفتح السين وضم الباء ، و « المفازة » : مفعلة من فاز يفوز إذا نجا فهي بمعنى منجاة ، وسمي موضع المخاف مفازة على جهة التفاؤل ، قاله الأصمعي وقيل : لأنها موضع تفويز ومظنة هلاك ، تقول العرب : فوز الرجل إذا مات قال ثعلب : حكيت لابن الأعرابي قول الأصمعي فقال : أخطأ ، قال لي أبو المكارم : إنما سميت « مفازة » لأن من قطعها فاز ، وقال الأصمعي : سمي اللديغ سليما تفاؤلا ، قال ابن الأعرابي : بل لأنه مستسلم لما أصابه ، وبعد أن نهى أن يحسبوا ناجين أخبر أن لهم عذابا .
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — صفحة 553 | ابن عطية الأندلسي / عبدالسلام عبدالشافى