وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكّة قول رسول الله ( عليه السلام ) لأبي نصير : « ويل أمّه مستعر حرب لو كان معه رجال » . فخرج عصابة منهم إليه ، وانفلت أبو جندل بن سهيل بن عمرو فلحق بأبي نصير حتّى اجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم ، فوالله ما يسمعون بعير خرجت لقريش إلى الشام إلّا اعترضوا لهم فقتلوهم ، وأخذوا أموالهم ، حتّى ضيّقوا على قريش ، فأرسلت قريش إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ( عليه السلام ) يناشدونه الله ، والرحم ، لمّا أرسل إليهم ، فمن أتاه فهو آمن ، فآواهم رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقدموا عليه المدينة [ 51 ] « 1 » .
قال الله تعالى :
وَلَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ
بأن يقتلوهم
فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ
قال ابن زيد : إثم ، وقال ابن إسحاق : غرم الدّية . وقيل :
الكفّارة ؛ لأنّ الله تعالى إنّما أوجب على قاتل المؤمن في دار الحرب إذا لم يكن هاجر منها ، ولم يعلم قاتله إيمانه الكفّارة دون الدّية ، فقال جلّ ثناؤه :
فَإِنْ كانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ
« 2 » .
ولم يوجب على قاتل خطأ دية ، وقيل : هو أنّ المشركين يعيبونكم ويقولون : قتلوا أهل دينهم . ( والمعرّة ) المشقّة ، وأصلها من العرّ وهو الحرب لإذن ذلك في دخولها ، ولكنّه حال بينكم ، وبين ذلك
لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ
دينه الإسلام
مَنْ يَشاءُ
من أهل مكّة قبل أن تدخلوها ، هكذا نظم الآية وحكمها ، فحذف جواب ( لولا ) استغناء بدلالة الكلام عليه ، وقال بعض العلماء : قوله :
( لَعَذَّبْنَا )
جواب لكلامين : أحدهما
لَوْ لا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ
، والثاني :
لَوْ تَزَيَّلُوا
أي تميّزوا .
ثمّ قال :
لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ
يعني المؤمنين ، والمؤمنات
فِي رَحْمَتِهِ
لكن جنّته . قال قتادة : في هذه الآية إنّ الله يدفع بالمؤمنين عن الكفّار ، كما يدفع بالمستضعفين من المؤمنين عن مشركي مكّة .
أخبرنا أبو عبد الله بن منجويه الدينوري ، حدّثنا أبو علي بن حبش المقري ، حدّثنا أبو الطيّب أحمد بن عبد الله بن بجلي الدارمي بأنطاكية ، حدّثني أحمد بن يعقوب الدينوري ، حدّثنا محمّد بن عبد الله بن محمّد الأنصاري ، حدّثني محمّد بن الحسن الجعفري ، قال : سمعت جعفر ابن محمّد يحدّث ، عن أبيه ، عن جدّه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، أنّه سأل [ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم ] عن قول الله تعالى :
لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً
قال : « هم المشركون من أجداد النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ممّن كان بعده في عصره ، كان في أصلابهم المؤمنون ، فلو تزيّل المؤمنون عن أصلاب الكفّار يعذب الله عذابا أليما » [ 52 ] .
إذ من صلة قوله تعالى :
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري : 2 / 285
( 2 ) سورة النساء : 92 .