فلمّا نزلت هذه الآيات وتلاها عليه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال له : « هل تستطيع أن تعتق رقبة ؟ » .
قال : إذن يذهب مالي كلّه . الرقبة غالية وأنا قليل المال . فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « فهل تستطيع أن تصوم
شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ
؟ » . قال : والله يا رسول الله ، إني إذا لم آكل في اليوم ثلاث مرات كلّ بصري وخشيت أن تعشو عيني . قال : « فهل تستطيع أن تطعم
سِتِّينَ مِسْكِيناً
؟ » . قال : لا والله ، إلّا أن تعينني على ذلك يا رسول الله . فقال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّي معينك بخمسة عشر صاعا ، وأنا داع لك بالبركة » [ 231 ] « 1 » .
فأعانه رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم بخمسة عشر صاعا واجتمع لهما أمرهما .
فذلك قوله :
الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ
، قد ذكرنا اختلاف القرّاء في هذا الحرف في سورة الأحزاب .
ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ
قرأ العامّة بخفض التاء ومحلّه نصب ، كقوله سبحانه :
ما هذا بَشَراً
« 2 » . وقيل : ( بأمهاتهم ) . وقرأ المفضّل بضمّ التاء .
إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً
أي كذبا ، والمنكر : الذي لا تعرف صحّته .
وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ
وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ
، اعلم أنّ الألفاظ التي يصير المرء بها مظاهرا على ضربين : صريح ، وكناية . فالصريح هو أن يقول : أنت عليّ كظهر أمّي ، وكذلك إذا قال : أنت عليّ كبطن أمّي أو كرأس أمّي أو كفرج أمّي ، وهكذا إذا قال : فرجك أو رأسك أو ظهرك أو صدرك أو بطنك أو يدك أو رجلك عليّ كظهر أمّي ، فإنّه يصير مظاهرا ، وكلّ ذلك محلّ قوله :
يدك أو رجلك أو رأسك أو بطنك طالق فإنّه تطلق ، والخلاف في هذه المسألة بين الفريقين كالخلاف في الطلاق .
ومتى ما شبّهها بأمّه أو بإحدى جدّاته من قبل أبيه وأمّه كان ذلك ظهارا بلا خلاف . وإن شبّهها بغير الأمّ والجدّة من ذوات المحارم التي لا تحلّ له بحال كالابنة والأخت والعمّة والخالة ونحوها ، كان مظاهرا على الصحيح من المذاهب . فصريح الظهار هو أن يشبّه زوجته أو عضوا من أعضائها بعضو من أعضاء أمّه ، أو أعضاء واحدة من ذوات محارمه .
والكناية أن يقول : أنت عليّ كأمّي ، أو مثل أمّي أو نحوها ، فإنّه يعتبر فيه نيّته . فإن أراد ظهارا كان مظاهرا وإن لم ينو الظهار لا يصر مظاهرا . وكلّ زوج صحّ طلاقه صحّ ظهاره ، سواء كان عبدا أو حرا أو ذمّيا أو دخل بالمرأة أو لم يدخل بها ، أو كان قادرا على جماعها أو عاجزا عنه . وكذلك يصحّ الظهار من كلّ زوجة ، صغيرة كانت أو كبيرة ، أو عاقلة أو مجنونة ، أو رتقاء أو سليمة ، أو صائمة أو محرمة ، أو ذمّية ، أو مسلمة ، أو في عدّة يملك رجعتها .
هامش
( 1 ) تفسير مجمع البيان : 9 / 409 بتفاوت يسير .
( 2 ) سورة يوسف : 31 .