تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي ) — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
للفعل هو التوفر عليه دون غيره .
أَيُّهَ الثَّقَلانِ
أي الجن والإنس ، دليله قوله في عقبه
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
سمّيا ثقلين ؛ لأنهما ثقل أحياء وأمواتا ، قال الله سبحانه :
وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها
وقال بعض أهل المعاني : كل شيء له قدر ينافس فيه فهو ثقل ، ومنه قيل لبيض النعام : ثقل ؛ لأن واجده وصائده يفرح إذا ظفر به قال الشاعر :
فتذكّرا ثقلا رثيدا بعد ما * ألقت ذكاء يمينها في كافر « 1 »
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي » [ 169 ] « 2 » فجعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما ، وقال جعفر الصادق : سمي الجن والانس ثقلين ؛ لأنهما مثقلان بالذنوب .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
ولم يقل : استطعتما ؛ لأنهما فريقان في حال جمع كقوله سبحانه :
فَإِذا هُمْ فَرِيقانِ يَخْتَصِمُونَ
وقوله سبحانه :
هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ
.
أَنْ تَنْفُذُوا
تجوزوا
مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
أي أطرافها
فَانْفُذُوا
ومعنى الآية إن استطعتم ان تجوزوا أطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا ، وانما يقال لهم هذا يوم القيامة ، وقال الضحاك : يعني هاربين من الموت ، فأخبر أنه لا يجيرهم من الموت ولا محيص لهم منه ، ولو نفذوا من أقطار السماوات والأرض كانوا في سلطان الله عز وجل وملكه ، وقال ابن عباس : يعني : إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا ، ولن تعلموه إلّا بسلطان يعني البيّنة من الله سبحانه .
لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ
أي حجة . قال ابن عباس وعطاء : لا تخرجون من سلطان ، وقيل معناه إلّا إلى سلطاني كقوله
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي
أي أحسن أليّ ، وقال الشاعر :
أسىء بنا أفأحسني لا ملومة * لدينا ولا مقليّة إن تقلّت
وفي الخبر « يحاط على الخلق الملائكة وبلسان من نار ثم ينادون :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ
. . . فذلك قوله تعالى . . . » [ 170 ] .
يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ
قرأ ابن كثير وابن أبي إسحاق بكسر الشين ، غيرهما بضمّه ، وهما لغتان مثل صوار من البقر ، وصوار وهو اللهب ، قال حسان بن ثابت يهجو أمية بن أبي الصلت :
هجوتك فاختضعت لها بذلّ * بقافية تأجج كالشواظ « 3 »
هامش
( 1 ) الصحاح : 2 / 472 . ( 2 ) مسند أحمد : 3 / 18 . ( 3 ) تفسير القرطبي : 17 / 171 .