فقال : يا مولاي ، أخبرني ، فلعلّ الله سبحانه يسهّل لك الفرج على يديّ ، فأخبره بذلك فقال له :
عد إلى الأمير وقل له : إن لي غلاما أسود إن أذنت له فسّر لك هذه الآية ، ففعل ذلك ودعا الأمير الغلام وسأله عن ذلك فقال : أيها الأمير شأن الله هو انه
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ *
، و
يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ *
و
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ *
، ويشفي سقيما ، ويسقم سليما ، ويبتلي معافى ، ويعافي مبتلى ، ويعز ذليلا ، ويذل عزيزا ، ويفقر غنيا ويغني فقيرا . فقال الأمير : أحسنت يا غلام ، قد فرّجت عني . ثم أمر الوزير بخلع ثياب الوزارة وكساها الغلام ، فقال : يا مولاي ، هذا شأن الله عز وجل .
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ
.
[ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 31 إلى 38 ]
سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 32 ) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ ( 33 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 34 ) يُرْسَلُ عَلَيْكُما شُواظٌ مِنْ نارٍ وَنُحاسٌ فَلا تَنْتَصِرانِ ( 35 )
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 36 ) فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ( 37 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 38 )
سَنَفْرُغُ لَكُمْ
قرأ عبد الله وأبي ( سنفرغ إليكم ) ، وقرأ الأعمش بضم الياء وفتح الراء على غير تسمية ، وقرأ الأعرج بفتح النون والراء . قال الكسائي : هي لغة تميم ، وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم الياء وفتح الراء ، واختاره أبو عبيد اعتبارا بقوله :
يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
فاتبع الخبر الخبر ، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الراء ، واختاره أبو حاتم .
فإن قيل : إن الفراغ لا يكون إلّا عن شغل والله تعالى لا يشغله شأن عن شأن . قلنا :
اختلف العلماء في معنى هذه الآية فقال قوم : هذا وعيد وتهديد من الله سبحانه وتعالى لهم كقول القائل : لأتفرغنّ لك وما به شغل ، وهذا قول ابن عباس والضحاك ، وقال آخرون : معناه سنقصدكم بعد الترك والإمهال ونأخذ في أمركم ، وقد يقول القائل للذي لا شغل له : قد فرغت لي وفرغت لشتمي ، أي أخذت فيه وأقبلت عليه . قال جرير بن الخطفي :
ولما التقى القين العراقي بأسته * فرغت إلى القين المقيّد بالحجل « 1 »
أي قصدته بما يسوؤه ، وهذا القول اختيار الفندي والكسائي .
وقال بعضهم : إن الله سبحانه وعد على التقوى وأوعد على الفجور ، ثم قال :
سَنَفْرُغُ لَكُمْ
مما أوعدناكم وأخبرناكم فنحاسبكم ونجازيكم ، وننجز لكم ما وعدناكم ، ونوصل كلا إلى ما عدناه ، فيتمّ ذلك ويفرغ منه ، وإلى هذا ذهب الحسن ومقاتل وابن زيد ، وقال ابن كيسان : الفراغ
هامش
( 1 ) تاج العروس : 6 / 25 ونسبه لجرير يهجو الفرزدق .