أَ جَعَلْتُمْ سِقايَةَ الْحاجِّ
« 1 » . كلّها بمعنى الوصف والتسمية ويستحيل أن يكون بمعنى الخلق .
لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ
يعني هذا الكتاب .
فِي أُمِّ الْكِتابِ
يعني اللوح المحفوظ الّذي عند اللّه تعالى منه ينسخ ، وقال قتادة : أصل الكتاب وجملته .
أخبرنا عبد اللّه بن حامد الوزان ، أخبرنا مكي بن عيدان ، حدثنا عبد اللّه بن هاشم بن حيان ، حدثنا يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا هاشم الدستوائي ، حدثني القاسم بن أبي يزه ، حدثني عروة بن عامر القريشي ، قال : سمعت ابن عباس يقول : إنّ أول ما خلق اللّه تعالى القلم وأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق والكتاب عنده ثمّ قرأ
وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً
. اختلفوا في معناه . فقال قوم : أفنضرب عنكم العذاب ونمسك ونعرض عنكم ونترككم فلا نعاقبكم على كفركم ، وهذا قول مجاهد والسدي ، ورواية الوالبي عن ابن عباس . قال : أفحسبتم إنّه يصفح عنكم ولما تعقلوا ما أمرتم به ، وقال آخرون : معناه أفنمسك عن إنزال القرآن ونتركه من أجل أنّكم لا تؤمنون به فلا ننزله ولا نكرره عليكم ، وهذا قول قتادة وابن زيد .
وقال قتادة : واللّه لو كان هذا القرآن رفع حين ردّه أوائل هذه الأمة لهلكوا ، ولكن اللّه تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم ودعاهم إليه عشرين سنة . أو ما شاء اللّه من ذلك .
وقال الكلبي : أفنترككم سدى لا نأمركم ولا ننهاكم . الكسائي : أفنطوي عنكم الذكر طيّا ، فلا تدعون ولا توعظون .
وهذا من فصيحات القرآن ، والعرب تقول لمن أمسك عن الشيء وأعرض عنه : ضرب عنه صفحا ، والأصل في ذلك إنّك إذا أعرضت عنه ولّيته صفحة عنقك ، قال كثير :
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة * فمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت « 2 »
أي معرضة بوجهها ، وضربت عن كذا وأضربت ، إذا تركته وأمسكت عنه .
أَنْ كُنْتُمْ
قرأ أهل المدينة والكوفة إلّا عاصما أن تكتب الألف على معنى إذ . كقوله :
وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
« 3 » ، وقوله :
إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً
« 4 » .
وقرأ الآخرون بالفتح على معنى لأنّ كنتم أرادوا على معنى المضي كما يقول في الكلام :
أسبّك إن حرمتني ، يريد إذا حرمتني . قال أبو عبيدة : والنّصب أحبّ إليّ ؛ لأنّ اللّه تعالى عاتبهم على ما كان منهم وعلمه قبل ذلك من فعلهم .
هامش
( 1 ) سورة التوبة : 19 .
( 2 ) غريب الحديث : 2 / 168 ، لسان العرب : 2 / 515 .
( 3 ) سورة البقرة : 278 .
( 4 ) سورة النور : 33 .