وأما أهل الحقائق فإنّهم قالوا في وجه هذه الآية : إنّ الهمّ همّان : همّ مقيم ( ثابت ) وهو إذا كان مع عزيمة وعقد ونيّة ورضى مثل همّ امرأة العزيز فالعهد مأخوذ .
وهمّ عارض وارد وهو الخطرة والفكرة وحديث النفس من غير اختيار ولا عزيمة مثل همّ يوسف ( عليه السلام ) ، والعهد غير مأخوذ ما لم يتكلّم به أو يفعله ، يدلّ عليه ما روي عن ابن ( المبارك ) قال : قلت لسفيان : أيؤخذ العهد بالهمّة ؟ قال : إذا كان عزما أخذ بها .
وروي عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم قال : يقول الله عزّ وجل : « إذا همّ عبدي بالحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة ، وإن عملها كتبتا له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ، وإذا همّ عبدي بالسيّئة ولم يعملها لم أكتبها عليه ، فإن عملها كتبتها عليه سيّئة واحدة ، فإن تركها من أجلي كتبتها له حسنة » [ 111 ] « 1 » .
والقول بإثبات مثل هذه : الزلّات والصغائر على الأنبياء ( عليهم السلام ) غير محظور لضرب من الحكمة :
أحدها : ليكونوا من الله تعالى على وجل إذا ذكروها فيجدّون في طاعته إشفاقا منها ولا يتّكلون على سعة رحمة الله .
والثاني : ليعرّفهم موقع نعمته وامتنانه عليهم بصرفه عنهم .
والثالث : ليجعلهم أئمة لأهل الذنوب في رجاء رحمة الله وترك اليأس من عفوه وفضله .
وقد روى عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من أحد إلّا يلقى الله عزّ وجل قد همّ بخطيئة أو عملها إلّا يحيى بن زكريا فإنّه لم يهم ولم يعملها » « 2 » [ 112 ] .
وعن مصعب بن عبد الله قال : حدّثني مصعب بن عثمان قال : كان سليمان بن يسار من أحسن الناس وجها ، فدخلت عليه امرأة تستفتيه : [ فتأمنته ] بنفسه فامتنع عليها وذكّرها ، فقالت له : إن لم تفعل لأشهّرنّ بك ولأصيحنّ بك ، قال : فخرج وتركها ، فرأى في منامه يوسف النبي ( عليه السلام ) ، فقال له : أنت يوسف ؟ قال : أنا يوسف النبي هممت وأنت سليمان الذي لم تهمّ .
وأمّا البرهان الذي رآه يوسف ( عليه السلام ) فإنّ العلماء اختلفوا فيه ، فأخبرنا أبو الحسن عبد الرحمن بن إبراهيم بن محمد بن يحيى عن أبي العباس الأصمّ عن الحسن بن علي ، عن الحسين بن عطية عن إسرائيل عن أبي حصين عن سعيد عن ابن عباس
لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ
قال : مثل له يعقوب فضرب يده في صدره ، فخرجت شهوته من أنامله .
هامش
( 1 ) كنز العمال : 4 / 219 ، ح 10241 ، تفسير القرطبي : 17 / 115 .
( 2 ) كنز العمال : 11 / 521 ح 32434 ، بتفاوت يسير .