، وقرأ أبو عمرو :
يَبْغُونَ
بالياء وترجعون بالتاء ، قال : لأن الأول خاص والثاني عام ؛ ففرّق بينهما لافتراقهما في المعنى ، وقرأ الباقون : بالتاء فيهما على الخطاب لقوله :
لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ
.
وَلَهُ أَسْلَمَ
خضع وانقاد من في السماوات والأرض
طَوْعاً
والطوع الانقياد والاتباع بسهولة من قولهم : فرس طوع العنان ، أي منقاد
وَكَرْهاً
والكره : ما كان بمشقة وإباء من النفس ، كرها بضم الكاف وهما مصدران وضعا موضع الحال ، كأنّه قال : وله أسلم من في السماوات والأرض طائعين وكارهين ، واختلفوا في قوله
طَوْعاً وَكَرْهاً
،
فروى أنس بن مالك عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
قال : « الملائكة أطاعوه في السماء ، والأنصار وعبد القيس أطاعوه في الأرض » [ 75 ] « 1 » .
وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « لا تسبّوا أصحابي فإنّ أصحابي أسلموا من خوف اللّه ، وأسلم الناس من خوف السيف » [ 76 ] « 2 » .
وقال الحسن والمفضّل : الطوع لأهل السماوات خاصة ، وأهل الأرض منهم من أسلم طوعا ومنهم من أسلم كرها .
ابن عباس : عبادتهم للّه أجمعين طوعا وكرها وانقيادا له .
الربيع عن أبي العالية في قول اللّه تعالى :
وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً
قال : كل بني آدم أقرّ على نفسه أنّ اللّه ربّي وأنا عبده ، فهذا الإسلام لو استقام عليه ، فلمّا تكلّم به صار حجة عليه ، ثم أشرك في عبادته فهذا الذي أسلم كرها ، ومنهم من شهد أنّ اللّه ربّي وأنا عبده ، ثم أخلص العبودية فهذا الذي أسلم طوعا ، وقال الضحّاك : هذا حين أخذ منه الميثاق وأقرّ به .
مجاهد :
طَوْعاً
: ظل المؤمن
وَكَرْهاً
: ظل الكافر ، يدلّ عليه قوله :
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
« 3 » ، وقوله :
يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلَّهِ
« 4 » .
الشعبي : هو استعاذتهم به عند اضطرارهم ، يدلّ عليه قوله تعالى :
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
« 5 » .
هامش
( 1 ) الدر المنثور : 2 / 48 .
( 2 ) تفسير القرطبي : 4 / 128 .
( 3 ) سورة الرعد : 15 .
( 4 ) سورة النحل : 48 .
( 5 ) سورة العنكبوت : 65 .