تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 584

مساهمون:

ص٥٨٤
العقبة ، ويقال : معناه فهل تجاوز العقبة ، الذي يزعم أنه أنفق مالا كثيرا في عداوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وإنما أراد بالعقبة ، الصراط . كما روي عن أبي ذر الغفاري أنه قال : إنه بين أيدينا عقبة كؤود ، لا ينجو منها إلّا كل مخف . وكما روي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، أنه بكى حين حضرته الوفاة ، قيل له : وما يبكيك ؟ قال : بعد المفازة ، وقلة الزاد ، وضعف النفس ، وعقبة كؤد ، والهبوط منها إلى الجنة أو إلى النار . ثم قال عز وجل :
وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ
يعني : ما أدراك بما ذا يكون مجاوزة الصراط . ثم قال :
فَكُّ رَقَبَةٍ
يعني : اقتحام العقبة ، هو فك الرقبة يعني : إنما يجاوز الصراط .
أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ
يعني : يجاوز الصراط بإحكام في يوم ذي مجاعة . قرأ أبو عمرو ، وابن كثير ، والكسائي
فَكُّ رَقَبَةٍ
، بنصب الكاف والهاء ، وأطعم بنصب الهمزة بغير الألف ، والباقون
فَكُّ رَقَبَةٍ
بضم الكاف ، وكسر الهاء
أَوْ إِطْعامٌ
بكسر الهمزة ، وإثبات الألف . فمن قرأ بالنصب فهو محمول على المعنى ، معناه فلا فكّ رقبة ، ولا أطعم في يوم ذي مسغبة ، فكيف يجاوز العقبة ، ومن قرأ بالضم فمعناه اقتحام العقبة ، فكّ رقبة يعني : مجاوزة العقبة بعتق رقبة ، وبإطعام في يوم ذي مسغبة ، أي : مجاعة . ثم بين لهم لمن يطعم الطعام فقال :
يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ
يعني : يتيما بينك وبينه قرابة
أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ
يعني : مسكينا لا شيء له لاصق في التراب من الجهد ، فهذا الإحسان مجاوزة العقبة
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
يعني : من صنع هذا الإحسان ، يكون مؤمنا ، لأنه لا يتقبل عملا من الأعمال بغير إيمان . ويقال : معناه ثم يثبت على إيمانه . ثم قال :
وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ
يعني : تحاشوا أنفسهم بالصبر ، وتحاشوا بعضهم بعضا بالصبر على طاعة اللّه تعالى ، وبالصبر على المكروهات ، لأنه روي في الخبر ، أن الجنة حفت بالمكاره . ثم قال تعالى :
وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ
يعني : تحاشوا بالتراحم بعضهم على بعض ، يعني : بالمرحمة على أنفسهم ، على غيرهم . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « من يرحم النّاس ، يرحمه اللّه تعالى » . ثم قال :
أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ
يعني : أهل التراحم والتواصل ، هم أصحاب الميمنة ، الذين يعطون كتابهم بأيمانهم
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا
يعني : بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وبالقرآن ، ويقال : كفروا بدلائل اللّه تعالى .
هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ
يعني : يعطون كتابهم بشمالهم
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ
يعني : أدخلوا في النار ، وأطبقت عليهم ، لا يخرج منها غم ، ولا يدخل فيها روح آخر الأبد . قرأ أبو عمرو ، وعاصم في رواية حفص ، وحمزة
عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ
بالهمزة ، والباقون بغير همزة ، وهما لغتان . يقال : أصدت وأوصدت الباب ، وأوصدته إذا أطبقته واللّه أعلم .