تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 574

مساهمون:

ص٥٧٤
النار
ناصِبَةٌ
يعني : من تعب وعذاب في النار . ويقال :
عامِلَةٌ ناصِبَةٌ
يعني : تكلف الصعود على عتبة ملساء من النار ، فيرتقيها في عناء ومشقة ، فإذا ارتقى إلى ذروتها ، هبط منها إلى أسفلها . ويقال : نزلت في رهبان النصارى ، عاملة في الدنيا ، ناصبة في العبادة ، أشقياء في الدنيا والآخرة . ويقال : عاملة في الدنيا بالمعاصي والذنوب ، ناصبة في الآخرة بالعذاب
تَصْلى ناراً حامِيَةً
يعني : تدخل نارا حارة ، قد أوقدت ثلاثة آلاف سنة ، حتى اسودّت . فهي سوداء مظلمة . قوله تعالى :
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ
أي : من عين حارة ، قد انتهى حرّها
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ
وهذا في بضع دركها
إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ
قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ، بضم التاء
تَصْلى ناراً
وقرأ الباقون ، بالنصب . فمن قرأ بالضم لمعنى المفعول الذي لم يسم فاعله ، ونصب نارا على أنه مفعول ثان ، ومن قرأ بالنصب ، جعل الفعل الذي يدخل النار ، وهو كناية عن الوجوه . ولهذا ذكره بلفظ التأنيث . ثم قال :
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ
والضريع نبات بين طريق مكة واليمن فإذا أكل الكفار منه بقي في حلقهم
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ
يعني : غير الضريع
لا يُسْمِنُ
يعني : لا يشبع الضريع
وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ
يعني : ولا ينفع من جوع ، وهذا الجزاء ، للذي يتعب نفسه للعمل في الدنيا والمعاصي ، وما لا يحتاج إليه . ثم وصف مكان الذي يعمل للّه تعالى ، ويترك عمل المعصية ، ويؤدي ما أمر اللّه تعالى ، ويترك ما نهي عنه فقال :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ
يعني : من الوجوه ما تكون ناعمة ، يعني : في نعمة وكرامة ، وهي وجوه المؤمنين والتائبين ، والصالحين . ويقال :
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ
يعني : مشرقة مضيئة ، مثل القمر ليلة البدر
لِسَعْيِها راضِيَةٌ
يعني : لثواب عملها راضية . ويقال : لثواب سعيه ، الذي عمل في الدنيا من الخير . يعني : رأى ثوابه في الجنة ،
راضِيَةٌ
مرضية ، رضي اللّه عنه بعمله في الدنيا ، ورضي العبد من اللّه تعالى في الآخرة . من الثواب
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ
يعني : ذلك الثواب في جنة عالية ، مرتفعة في الدرجات العلى . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « إنّ المتحابّين للّه تعالى في غرفة ، ينظر إليهم أهل الجنة ، كما ينظر أهل الأرض إلى كواكب السّماء » . ثم قال عز وجل :
لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً
يعني : لا يكون في الجنة لغو ولا باطل ، وليس فيها غل ولا غش . قرأ نافع لا تسمع بضم تاء التأنيث ، لأن اللاغية مؤنثة . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو ، لا يسمع بضم الياء على معنى : فعل ، ما لم يسم فاعله ، وإنما ذكر بلفظ التذكير ، لأنه انصرف إلى المعنى . يعني : إلى اللغو . وروي عن ابن كثير ، ونافع في إحدى الروايتين ، بنصب التاء ، يعني : لا تسمع في الجنة أيها الداخل ، كلمة لغو ، لأن أهل الجنة ، لا يتكلمون إلا بالحكمة ، وحمد اللّه تعالى .
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 574 | أبو الليث السمرقندي / محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري