تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
يقول اللّه تعالى
وَامْتازُوا الْيَوْمَ
وذلك أنه إذا كان يوم نادى مناد :
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
يعني : اعتزلوا أيها الكفار من المؤمنين ، فإنهم قد تأذوا منكم في الدنيا ، فاعتزلوهم حتى ينجوا منكم . ويقال : إن المنادي ينادي
أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ
امتازوا ، فإن المؤمنين قد فازوا . وأيها المنافقون امتازوا ، فإن المخلصين قد فازوا . ويا أيها الفاسقون امتازوا فإن الصالحين قد فازوا ويا أيها العاصون امتازوا ، فإن المطيعين قد فازوا . ثم يقول للكفار والمنافقين بعد ما امتازوا :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ
يعني : ألم أتقدم إليكم . ويقال : ألم أبيّن لكم في القرآن . ويقال : ألم أوضح لكم
يا بَنِي آدَمَ
بالكتاب والرسل . وقال القتبي : العهد يكون لمعان ، يكون للأمانة كقوله :
فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ
[ التوبة : 4 ] ويكون لليقين ، ويكون للميثاق ، ويكون للزمان . كما يقال : كان ذلك في عهد فلان أي : في زمانه . ويكون العهد للوصية ، كقوله :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ
يعني : أن لا تطيعوا الشيطان . قال ابن عباس : من أطاع شيئا فقد عبده
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
يعني : بيّن العداوة
وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ
يعني : أطيعوني ، ووحدوني . يعني : هذا التوحيد طريق مستقيم . ويقال : دين الإسلام هو طريق مستقيم لا عوج فيه ، وهو طريق الجنة . قوله عز وجل :
وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً
يعني : خلقا كثيرا . وقرأ نافع وعاصم
جِبِلًّا
بكسر الجيم ، والباء ، والتشديد . وقرأ أبو عمرو ، وابن عامر :
جِبِلًّا
بضم الجيم ، وجزم الباء . والباقون : بضم الجيم والباء . ومعنى ذلك كله واحد . وقال أهل اللغة : الجبل ، والجبلة كله بمعنى واحد يعني : الناس الكثير
أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ
ما فعل بمن كان قبلكم ، فتعتبروا فلم تطيعوه ، فلما دنوا من النار قال لهم خزنتها
هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
في الدنيا فلم تصدقوا بها
اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
يعني : اصلوها اليوم بما كفرتم في الدنيا عقوبة لكم في الدنيا
الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أَفْواهِهِمْ
وذلك حين قالوا :
وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ
وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
يعني : يعملون من الشرك والمعاصي . ثم قال :
وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ
قال مقاتل يعني : لو نشاء لحولنا أبصارهم من الضلالة إلى الهدى
فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ
يعني : ولو طمست الكفر ، لاستبقوا الصراط ، أي : لجازوا الطريق
فَأَنَّى يُبْصِرُونَ
يعني : فمن أين يبصرون الهدى بعد ما جعلت قلوبهم قاسية ، وجعلت على أعمالهم غطاء ، وأكنّة على قلوبهم . قال الكلبي :
وَلَوْ نَشاءُ
لفقأنا أعين الضلالة ، فأبصروا الهدى ، واستبقوا الطريق فإنّى يبصرون الطريق . ويقال : فأنى يبصرون . الهدى وقال بعضهم : ولو نشاء لأعمينا أبصارهم في أسواقهم ، ومجالسهم ، كما فعلنا بقوم لوط - عليه السلام - حين كذبوه وراودوه عن ضيفه
فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ
يعني : فابتدروا الطريق هربا إلى منازلهم ، ولو فعلنا ذلك بهم .