تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 78

مساهمون:

ص٧٨
قوله تعالى :
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ
يقول : عجب ورضي المتخلفون عن الغزو وهم المنافقون
بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ
، يعني : بتخلفهم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم
وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ
، يعني : قال بعضهم لبعض : لا تخرجوا إلى الغزو ، فإن الحر شديد . قال اللّه تعالى :
قُلْ
يا محمد :
نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ
يعني : لو كانوا يفهمون . قراءة ابن مسعود لو كانوا يعلمون . ثم قال عز وجل :
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
اللفظ لفظ الأمر والمراد به : التوبيخ . قال الحسن : يعني :
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا
في الدنيا ،
وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
في الآخرة في النار .
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
، يعني : عقوبة لهم بما كانوا يكفرون . وعن أبي رزين أنه قال في قوله تعالى :
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً
قال : يقول اللّه تعالى : الدنيا قليل فليضحكوا قليلا فيها ما شاؤوا ، فإذا صاروا إلى النار بكوا بكاء لا ينقطع ، فذلك الكثير . وروى الأعمش ، عن عمارة بن عمير ، عن أبي عامر ، عن عمرو بن شرحبيل قال : مرّ النبي صلّى اللّه عليه وسلّم على ملأ من قريش ، وفيهم أبو جهل بن هشام ، وعتبة بن ربيعة فقال أبو جهل : هذا نبيكم يا بني عبد مناف . فقال عتبة : وما ننكر أن يكون منا نبي أو ملك ، فسمعه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فأقبل عليهم فقال : « أمّا أنت يا عتبة ، فلم تغضب للّه ولا لرسوله ، وإنّما غضبت للأصل . وأمّا أنت يا أبا جهل ، فو اللّه لا يأتي عليك إلّا غير كثير من الدّهر حتّى تبكي كثيرا وتضحك قليلا . وأمّا أنتم يا ملأ قريش ، فو اللّه لا يأتي عليكم إلّا غير كثير من الدّهر ، حتّى تدخلوا في هذا الأمر الّذي تنكرون طائعين أو كارهين » . قال : فسكتوا كأنما ذرّ على رؤوسهم التراب ، فلم يردوا عليه شيئا . وروى أنس بن مالك ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « يرسل اللّه تعالى البكاء على أهل النّار ، فيبكون حتّى تنقطع الدّموع ، ثمّ يبكون الدّم حتّى يرى في وجوههم كهيئة الأخدود » « 1 » .

[ سورة التوبة ( 9 ) : آية 83 ]

فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ ( 83 ) قوله تعالى :
فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ
، يعني : إن رجّعك اللّه من تبوك إلى طائفة من المنافقين الذين تخلفوا
فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ
معك إلى غزوة أخرى .
فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً
إلى الغزو ،
وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا
. ويقال : معناه ، لن تخرجوا إلّا مطيعين من غير أن تكون لهم شركة في الغنيمة .
إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
أي : بالتخلف عن غزوة تبوك ،
فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ
، يعني : مع المتخلفين الذين تخلفوا بغير عذر . ويقال : الخالف
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي : 4 / 256 إلى ابن مردويه وابن ماجة وأبي يعلى .