ثم قال عز وجل :
يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ
وذكر عن الفراء أنه قال : هذه الهاء عماد ، وإنما يراد به وصل الكلام ، كما يقال : إنما ، وما يكون للوصل ، كذلك هاهنا ، فكأنه قال : يا موسى إني أنا اللّه
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ
ويقال : معناه إن الذي تسمع نداءه هو اللّه العزيز الحكيم .
قوله عز وجل :
وَأَلْقِ عَصاكَ
يعني : من يدك فألقاها ، فصارت حية ، وقد يجوز أن يضمر الكلام إذا كان في ظاهره دليل
فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ
يعني : تتحرك
كَأَنَّها جَانٌّ
يعني : حية والجان هي الحية الخفيفة الأهلية ، فإن قيل : إنه قال في موضع آخر ،
فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ *
[ الأعراف : 107 ] والثعبان الحية الكبيرة ، فأجاب بعض أصحاب المعاني : أنه كان في كبر الثعبان ، وفي خفة الجان . قال الفقيه أبو الليث رحمه اللّه : والجواب الصحيح : أن الثعبان كان عند فرعون ، والجان عند الطور .
ثم قال :
وَلَّى مُدْبِراً
يعني : أدبر هاربا من الخوف
وَلَمْ يُعَقِّبْ
يعني : لم يرجع .
ويقال : لم يلتفت .
يقول اللّه تعالى لموسى
يا مُوسى لا تَخَفْ
من الحية
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
يعني : إلا من ظلم ، ثم استثنى فقال :
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ
قال مقاتل : إلا من ظلم نفسه من المرسلين ، مثل آدم وسليمان ، وإخوة يوسف ، وداود وموسى صلوات اللّه وسلامه عليهم أجمعين . ويقال :
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ
يعني : لكن من ظلم
ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً
أي : فعل إحسانا
بَعْدَ سُوءٍ
أي بعد إساءته
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
قال الكلبي :
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ
يعني : أشرك فهذا الذي يخاف
ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً
يعني : توحيدا بعد سوء ، يعني : بعد شرك
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
.
قال أبو الليث رحمه اللّه : وتكون إلّا على هذا التفسير ، بمعنى : لكن ، لا على وجه الاستثناء ، وذكر عن الفراء أنه قال : الاستثناء وقع في معنى مضمر من الكلام ، كأنه قال : لا يخاف لدي المرسلون ، بل غيرهم يخاف
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ
فإنه لا يخاف .
وقال القتبي : هذا لا يصح ، لأن الإضمار يصح إذا كان في ظاهره دليل ، ولكن معناه : أن اللّه تعالى لما قال :
إِنِّي لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ
، علم أن موسى كان مستشعرا خيفة من قبل القبطي ، فقال :
إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ
فإنه يخاف ، ولكني أغفر له ،
فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ
.
ثم قال عز وجل :
وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ
يعني : جيب المدرعة ، ثم أخرجها
تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ
يعني : من غير برص
فِي تِسْعِ آياتٍ
يعني : هذه الآية من تسع آيات ، كما تقول أعطيت لفلان عشرة أبعرة فيها فحلان ، أي منها وقد بيّن في موضع آخر حيث قال :
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ
[ الإسراء : 101 ] وقد ذكرناها .
إِلى فِرْعَوْنَ
يعني : اذهب إلى فرعون
وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
يعني : إنهم كانوا قوما عاصين .