وقرأ الباقون
يَبْلُغَنَّ
بلفظ الوحدان ، لأنه انصرف إلى قوله :
أَحَدُهُما
يعني : إن يبلغ الكبر
أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما
يعني : إن بلغ أحد الأبوين عندك الهرم أو كلا الأبوين
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
أي : لا تقذرهما ولا تقل لهما
أُفٍّ
قولا رديئا عند خروج الغائط منهما إذا احتاجا إلى معالجتهما عند ذلك .
قال الفقيه : حدثنا أبو عبد الرحمن بن محمد قال : حدثنا فارس بن مردويه قال : حدثنا محمد بن الفضل قال : حدثنا أصرم ، عن عيسى بن عبد اللّه الأشعري عن زيد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو علم اللّه شيئا من العقوق أعظم من أفّ لحرّمه ، فليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنّة ، وليعمل البارّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل النّار » . وقال مجاهد : إذا كبرا فلا تأف لهما ، لأنهما قد رأيا منك مثل ذلك . وقال القتبي : لا تقل لهما أف بكسر وبفتح وبضم ، وهو ما غلظ من الكلام يعني : لا تستثقل شيئا من كلامها ولا تغلظ لهما القول . قرأ ابن كثير وابن عامر
أُفٍّ
بنصب الفاء ، وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص
أُفٍّ
بكسر الفاء مع التنوين ، وقرأ الباقون
أُفٍّ
بكسر الفاء بغير تنوين ومعنى ذلك كله واحد .
وَلا تَنْهَرْهُما
يقول : لا تغلظ عليهما بالقول
وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً
أي لينا حسنا .
قوله :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
أي : كن ذليلا رحيما عليهما . وروى هشام عن عروة عن أبيه في قوله :
وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
قال : يكون لهما ذليلا ولا يمتنع من شيء أحباه . وقال عطاء : جناحك يداك ، لا ينبغي أن ترفع يديك على والديك ولا ينبغي لك أن تحد بصرك إليهما تغيظا . وروي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « إذا دعاك أبواك وأنت في الصّلاة فأجب أمّك ولا تجب أباك » . وعن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « لو كان جريج الرّاهب فقيها لعلم أنّ إجابة أمّة أفضل من صلاته » .
قال الفقيه أبو الليث رضي اللّه عنه : لأن في ذلك الوقت كان الكلام الذي يحتاج إليه مباحا في الصلاة ، وكذلك في أول شريعتنا ، ثم نسخ الكلام في الصلاة فلا يجوز أن يجيبها إلا إذا علم أنه وقع لها أمر مهم ، فيجوز له أن يقطع ثم يستقبل .
ثم قال تعالى :
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما
أي : عند معالجتك في الكبر إياهما . ويقال : رب اجعل رحمتهما في قلبي حتى أربيهما في كبرهما
كَما رَبَّيانِي صَغِيراً
أي : كما عالجاني في صغري ، ويقال : معناه ، ادع لهما بالرحمة بعد موتهما أي : كن بارا بهما في حياتهما وادع لهما بعد موتهما .
[ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 25 إلى 27 ]
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً ( 25 ) وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً ( 26 ) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً ( 27 )