ثم إن المرأة قالت لزوجها : إن هذا الغلام العبراني لا يقلع عني ، وقد فضحني في الناس ، يعتذر إليهم ويخبرهم ، ويقول : أنني راودته عن نفسه ، ولست أطيق أن أعتذر بعذري ، فإما أن تأذن لي فأخرج فأعتذر إلى الناس وأخبرهم بحالي ، وإما أن تحبسه حتى ينقطع حديثه فذلك قوله تعالى :
ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ
يعني : ثم بدا للزوج من بعد ما رأى شق القميص ، وقضاء ابن عمها بينهما
لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ
قال الكلبي : فسجنه خمس سنين .
ويقال :
حَتَّى حِينٍ
يعني : إلى يوم من الأيام ، أو إلى وقت من الأوقات .
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 36 إلى 37 ]
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ( 36 ) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 37 )
قوله تعالى :
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ
يعني : حبس معه في السجن الخباز والساقي ، عبدان للملك غضب عليهما . يعني : صاحب شرابه ، وصاحب مطبخه
قالَ أَحَدُهُما
ليوسف
إِنِّي أَرانِي
في المنام
أَعْصِرُ خَمْراً
يعني : عنبا بلغة عمّان . قال الضحاك : إن ناسا من العرب يسمون العنب خمرا . ويقال : معناه ، أعصر العنب الذي يكون عصيره خمرا ، وذلك أنه قال : رأيت في المنام كأني دخلت كرما فيه حبلة حسنة ، فيها ثلاث من القضبان ، وفي القضبان ثلاثة عناقيد عنب ، قد أينع وبلغ ، فأخذته وعصرته في الكأس ، ثم أتيت به الملك فسقيته .
وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً
يقول : رأيت في المنام كأني أحمل فوق رأسي ثلاث سلال خبزا
تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ
يقول : أخبرنا بتفسير هذه الرؤيا
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
أي : من الموحدين . وذلك أنه ينصر المظلوم ، ويعين الضعيف ، وكان يداوي مرضاهم ، ويعزي مكروبهم ، فإذا احتاج واحد منهم ، قام وجمع له شيئا . ويقال :
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
يعني : من الصادقين في القول ، ويقال : كان متعبدا لربه ، ويقال : كان أهل السجن يجتمعون عنده ويسألونه أشياء فيخبرهم ، فقالا :
إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
يعني : نراك عالما ، وقد أحسنت العلم
قالَ
لهما يوسف
لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ
يعني : تطعمانه
إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ
يقول : أخبرتكما بتفسيره وألوانه
قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما
الطعام . وإنما أراد بذلك : أن يبيّن لهما علامة نبوته ، وهذا مثل قول عيسى عليه السلام لقومه :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
[ آل عمران : 49 ] فلما أخبر يوسف بذلك ، قالا : وكيف تعلم ولست بساحر ولا عرّاف ولا كاهن ؟ قال يوسف :
ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي
أراد أن يبيّن لهما علامة نبوّته لكي يسلما .
ثم قال :
إِنِّي تَرَكْتُ
يعني : تبرأت من
مِلَّةَ قَوْمٍ
يعني : دين قوم
لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ